كشفت اللجنة الدولية لكسر الحصار عن غزة أن قوات الاحتلال الإسرائيلي اعترضت قوارب من “أسطول الصمود العالمي” في المياه الدولية قبالة جزيرة كريت، واختطفت نحو 180 ناشطًا دوليًا كانوا ضمن مهمة إنسانية تهدف إلى كسر الحصار المفروض على قطاع غزة وإيصال رسالة سياسية وقانونية ضد تجويع المدنيين.

 

وجاء الاعتداء في لحظة تتصاعد فيها الكلفة الإنسانية للحرب على غزة، حيث تحاول إسرائيل منع أي تحرك مدني دولي يفضح الحصار أو يكسر العزلة المفروضة على القطاع، بينما يواصل المجتمع الدولي التعامل مع الانتهاكات الإسرائيلية كأزمة قابلة للإدارة لا كجرائم تستوجب العقاب والمحاسبة.

 

اختطاف في عرض البحر وتحويل المهمة الإنسانية إلى ملف أمني

 

بدأت عملية الاعتراض الإسرائيلية في المياه الدولية قرب سواحل جزيرة كريت، عندما تقدمت قوات بحرية إسرائيلية نحو قوارب تابعة لأسطول الصمود، ووجهت تحذيرات للناشطين قبل السيطرة على عدد من السفن. وقالت اللجنة الدولية لكسر الحصار إن العملية شملت اعتراض 21 قاربًا، ثم ارتفع العدد إلى 22 بعد استهداف قارب آخر، في واقعة وصفتها اللجنة بأنها قرصنة بحرية منظمة.

 

وكان الأسطول يضم مئات المشاركين من عشرات الدول، بينهم ناشطون وبرلمانيون وصحفيون ومتضامنون مع فلسطين، وانطلقت المهمة ضمن محاولة جديدة لكسر الحصار البحري على غزة. وأكدت تقارير صحفية أن قوارب الأسطول تحركت في إطار مهمة تحمل طابعًا إنسانيًا، قبل أن تعترضها البحرية الإسرائيلية بعيدًا عن شواطئ القطاع.

 

وقال ناشطون إن القوات الإسرائيلية اقتادت عددًا من المشاركين قسرًا إلى ميناء أسدود، في خطوة تفتح سؤالًا قانونيًا واضحًا عن حق إسرائيل في توقيف مدنيين داخل مياه دولية خارج ولايتها. ورفض محامون عن ناشطين محتجزين الاتهامات الإسرائيلية، مؤكدين أن المهمة كانت إنسانية وأن اعتراضها تم خارج الاختصاص القانوني الإسرائيلي.

 

وتحدث الناشط حسين شعيب أوردو عن احتجاز عشرات المشاركين في ظروف مهينة داخل أماكن ضيقة ومكتظة، وقال إن القوات الإسرائيلية مارست ضغطًا بدنيًا ونفسيًا ضد المتضامنين بعد السيطرة على القوارب. وتنسجم هذه الشهادات مع روايات قانونية تحدثت عن تعرض محتجزين للعنف والتقييد والتعصيب خلال الاحتجاز.

 

وتكشف هذه الوقائع أن إسرائيل لم تتعامل مع الأسطول كقافلة مدنية تحمل رسالة إنسانية، بل تعاملت معه كتهديد أمني يجب سحقه في البحر قبل وصوله إلى غزة. لذلك تحولت الكاميرات واللافتات والمواد الإغاثية إلى أدلة اتهام في خطاب الاحتلال، وتحولت التضامن المدني إلى قضية أمنية مصطنعة.

 

شهادات المتضامنين تكسر رواية الاحتلال

 

قالت النائبة الأرجنتينية مونيكا شلوتهاور إن الضغط النفسي والإهانة المتعمدة لم يكسرا إرادة المشاركين، بل زادا تمسكهم بمواصلة الدفاع عن القضية الفلسطينية وفضح الحصار. ويعكس موقفها حجم الغضب داخل صفوف المتضامنين، الذين رأوا في الاعتداء دليلًا إضافيًا على أن إسرائيل تخشى الشهود بقدر ما تخشى السفن.

 

وانتقدت شلوتهاور ازدواجية المعايير التي تمارسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في التعامل مع الانتهاكات الإسرائيلية. فالدول التي تتحدث يوميًا عن حرية الملاحة وحقوق الإنسان لم تتحرك لحماية ناشطين مدنيين في المياه الدولية، ولم تفرض كلفة سياسية على عملية اعتراض نفذتها قوة عسكرية ضد مهمة غير مسلحة.

 

كما ربطت المهندسة كاتي ديفيدسون بين الجرأة الإسرائيلية وغياب المحاسبة الدولية، مؤكدة أن الاحتلال يتصرف بثقة كاملة في الإفلات من العقاب. وهذا التوصيف يضع الحادثة في سياق أوسع من الاعتداءات المتكررة على المتضامنين والصحفيين والعاملين في الإغاثة، حيث لا تواجه إسرائيل إلا بيانات اعتراض لا تغير سلوكها على الأرض.

 

وأشار الصحفي محمد أوزدمير إلى أن الهجوم يثبت مجددًا طبيعة السلوك الإسرائيلي في التعامل مع كل محاولة مدنية لكسر الحصار. ويكشف كلامه أن القضية لا تتعلق بقارب أو ناشط أو مسار بحري فقط، بل بسياسة ثابتة تقوم على منع أي شاهد دولي من الوصول إلى غزة أو نقل صورة الحصار من داخل البحر إلى العالم.

 

وفي المقابل، حاولت وزارة الخارجية الإسرائيلية تبرير الاعتراض باتهام منظمي الأسطول بالاستفزاز والارتباط بحماس، وهي صيغة اعتادت إسرائيل استخدامها لتجريم العمل الإنساني والتضامني. لكن حكومات ومنظمات حقوقية ومحامين اعتبروا الاعتقال خارج المياه الإسرائيلية انتهاكًا للقانون الدولي واعتداءً على حرية الملاحة.

 

غزة تحت الحصار والعالم أمام اختبار المحاسبة

 

لا يمكن فصل الهجوم على أسطول الصمود عن الحرب المستمرة على غزة منذ أكتوبر 2023، لأن منع القوارب من الوصول يأتي ضمن سياسة أشمل تهدف إلى عزل القطاع وقطع طرق الإسناد الإنساني والسياسي. وتقول تقارير صحفية إن الحرب أوقعت أكثر من 72 ألف شهيد في غزة، وسط أزمة إنسانية وصحية خانقة.

 

ويكشف اعتراض الأسطول قرب كريت أن إسرائيل لا تكتفي بفرض الحصار عند شواطئ غزة، بل تمد ذراعها العسكرية إلى البحر المتوسط لمنع أي تحد سياسي للحصار. وهذا السلوك يضع اليونان والاتحاد الأوروبي أمام مسؤولية مباشرة، لأن الاعتداء وقع قرب مياه أوروبية وعلى مقربة من جزيرة كريت، وفق بيانات منظمي الأسطول.

 

كما يضع الحادث الحكومات الغربية أمام اختبار جدي، لأن بعضها أدان توقيف ناشطين من مواطنيه بعد اعتراض القوارب، بينما ظل مستوى الضغط السياسي أقل من حجم الانتهاك. وأدانت إسبانيا والبرازيل اعتقال ناشطين، وطالبتا بالإفراج عنهما، بعد أن مدد قضاء إسرائيلي احتجازهما عقب اعتراض الأسطول.

 

وتحمل هذه القضية رسالة واضحة إلى الحركات المدنية حول العالم، فإسرائيل تريد تحويل التضامن مع غزة إلى مخاطرة شخصية وقانونية، وتريد إفهام الناشطين أن الوصول إلى الفلسطينيين أو محاولة كسر الحصار سيقابل بالاحتجاز والتشهير والاتهامات الأمنية. لكن استمرار الأساطيل يثبت أن الردع الإسرائيلي لم ينه حركة التضامن.

 

وفي النهاية، لا يبدو اعتداء البحرية الإسرائيلية على أسطول الصمود حادثًا منفصلًا، بل حلقة جديدة في سياسة قمع كل محاولة لكشف الحصار المفروض على غزة. فالدولة التي تختطف متضامنين في المياه الدولية، وتقتادهم إلى التحقيق، وتتهمهم بدل محاسبة نفسها، تؤكد أن الحصار لا يستمر بالقوة العسكرية وحدها، بل بصمت دولي يمنح الجريمة فرصة التكرار.