سجل الدولار في مصر تقلبات جديدة خلال تعاملات الاثنين 27 أبريل 2026 بعد عودته إلى الارتفاع منذ الخميس الماضي في سوق لا تزال الحكومة تقدمه باعتباره مستقرا بينما يدفع المواطن تكلفة كل تحرك في الأسعار.

 

يتحرك الجنيه تحت ضغط واضح لأن الحكومة ربطت استقرار السوق بتدفقات خارجية وقروض ومؤشرات مؤقتة بدل بناء موارد إنتاجية مستدامة قادرة على حماية العملة من موجات الصعود المتكررة للدولار.

 

الدولار يقترب من 53 جنيها والبنوك تكشف اتساع الضغط

 

وبدأ الدولار تعاملات الاثنين فوق مستوى 52 جنيها في جميع البنوك المصرية ليقترب من 53 جنيها في أعلى التداولات بينما بقي بعيدا عن قمته التاريخية المسجلة قرب 55 جنيها خلال أبريل 2026 وهو فارق محدود يؤكد أن الجنيه لم يستعد هامشا آمنا أمام العملة الأمريكية.

 

وفي السياق نفسه سجلت بنوك أبوظبي التجاري وقناة السويس والمصرف المتحد والأهلي الكويتي وتنمية الصادرات أعلى سعر للدولار عند 52.65 جنيه للشراء و52.75 جنيه للبيع بما وضع السوق أمام مستوى مرتفع جديد وأظهر أن التحرك لم يعد محصورا في بنك واحد أو تعامل عابر.

 

وبالتوازي جاء أقل سعر للدولار في بنوك أبوظبي الأول والتنمية الصناعية والبركة وميد بنك وسايب ونكست عند 52.50 جنيه للشراء و52.60 جنيه للبيع وهو مستوى يثبت أن الحد الأدنى نفسه بقي فوق 52 جنيها وأن الفارق بين البنوك لم يغير اتجاه الضغط العام على الجنيه.

 

ثم سجل الدولار في بنوك الأهلي المصري ومصر والتجاري الدولي والمصرف العربي 52.52 جنيه للشراء و52.62 جنيه للبيع وهي بنوك تمثل كتلة مؤثرة في السوق المصرفية لذلك تعكس أسعارها مستوى عاما لا يمكن للحكومة التعامل معه باعتباره اضطرابا محدودا أو حركة يومية بلا أثر.

 

وعلى مستوى البنك المركزي المصري سجل سعر الدولار 52.63 جنيه للشراء و52.77 جنيه للبيع وفق البيانات المنشورة لسعر الصرف بينما أظهرت بيانات أخرى للبنك المركزي سعر 52.6328 جنيه للشراء و52.7328 جنيه للبيع وهو ما يؤكد بقاء السعر الرسمي قرب نطاق الضغط نفسه.

 

ويرى هاني جنينة الخبير الاقتصادي أن السعر العادل للجنيه يمكن أن يتحرك بين 45 و50 جنيها للدولار وفق نماذج تقييم مختلفة كما رجح في تصريحات أخرى أن يصل السعر إلى نطاق 54 و55 جنيها عند استمرار التوترات الجيوسياسية وهي قراءة تضع الحكومة أمام فجوة بين خطاب الاستقرار وحركة السوق.

 

وعود التحسن تصطدم بفاتورة الاستيراد والمعيشة

 

وبعد ذلك يظهر التناقض في رواية الحكومة لأن الجنيه أنهى عام 2025 بأداء قوي نسبيا بعدما ارتفع 6.7% أمام الدولار بدعم من قفزة تحويلات المصريين العاملين في الخارج واستعادة السيولة داخل القطاع المصرفي لكن هذه المكاسب لم تمنع عودة الدولار إلى الصعود السريع.

 

كما أعلن البنك المركزي المصري أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج سجلت 41.5 مليار دولار خلال عام 2025 وارتفعت خلال النصف الأول من السنة المالية 2025 و2026 بنسبة 29.6% إلى نحو 22.1 مليار دولار لكن هذه الأرقام لم تتحول إلى حماية مستقرة لقيمة الجنيه.

 

ولذلك يطرح صعود الدولار سؤالا مباشرا حول طريقة إدارة الحكومة لموارد النقد الأجنبي لأن التحويلات والسياحة وتدفقات الدين لا تكفي وحدها عندما تستمر فاتورة الاستيراد وخدمة الدين والإنفاق العام في ابتلاع العملة الصعبة ثم تعود الضغوط إلى المواطن عبر الأسعار.

 

وفي هذا المسار رجح محمد أبو باشا مدير تحليل الاقتصاد الكلي في إي إف جي هيرميس استمرار تدفق الاستثمارات إذا استقرت الأوضاع الإقليمية مع إمكانية تحرك الجنيه نحو 50 جنيها للدولار وهو تقدير يربط تحسن العملة بشرط خارجي لا تملكه الحكومة بالكامل.

 

ثم زادت هشاشة الصورة مع إعلان الحكومة اعتماد سعر 47 جنيها للدولار في موازنة 2026 و2027 بينما اعتمدت الهيئة العامة للبترول سعر 49 جنيها للتحوط وهو ما يفتح فجوة واضحة بين أرقام الموازنة وأسعار البنوك التي تجاوزت 52 جنيها بالفعل.

 

وبسبب هذه الفجوة تصبح كل زيادة في الدولار ضغطا محتملا على تكلفة الوقود والسلع المستوردة ومدخلات الإنتاج لأن الحكومة تستخدم سعرا أقل في التقديرات المالية بينما يتعامل السوق بسعر أعلى وهو ما ينقل العبء في النهاية إلى الأسر والشركات الصغيرة.

 

توقعات ستاندرد آند بورز تفضح مسار الجنيه حتى 2029

 

وفي مرحلة لاحقة جاءت توقعات ستاندرد آند بورز لتضع مسارا أكثر قسوة أمام الجنيه حيث توقعت وصول الدولار إلى 55 جنيها بنهاية العام المالي الحالي ثم 60 جنيها بنهاية العام المالي المقبل ثم 63 جنيها في يونيو 2028 و66 جنيها في يونيو 2029.

 

وقالت الوكالة إن السلطات المصرية تواصل التزامها بسعر صرف تحدده آليات السوق ضمن برنامجها المدعوم من صندوق النقد الدولي وإن سوق الصرف أصبح منذ مارس 2024 مدفوعا أساسا بعوامل العرض والطلب وهو توصيف يضع الحكومة أمام مسؤولية مباشرة عن نتائج هذا المسار.

 

كما أكد صندوق النقد الدولي في وثائقه أن توحيد سعر الصرف في مارس 2024 جعل السعر محددا بالسوق وأن اتفاق القرض الموسع ربط الدعم الخارجي بمرونة أكبر في سعر الصرف وإتاحة العملة الأجنبية للشركات والأفراد وهو ما جعل الجنيه مكشوفا أمام أي نقص في التدفقات.

 

وفي ضوء ذلك لا يمكن فصل تراجع الجنيه منذ 28 فبراير 2026 عن الضغوط الجديدة على العملة لأن الحكومة اختارت سياسة تجعل السعر يتحرك مع الصدمات الخارجية بينما لم تقدم حماية كافية للأجور أو الإنتاج المحلي أو الفئات المتضررة من التضخم.

 

ومن جهته قال جيمس سوانستون من كابيتال إيكونوميكس إن تحسن سعر صرف الجنيه وتراجع تضخم النقل والغذاء كانا من العوامل الرئيسية وراء تباطؤ التضخم في مصر وهو ما يعني أن أي هبوط جديد في الجنيه يمكن أن يعيد الضغط على الأسعار مباشرة.

 

وتزامن ذلك مع توقعات رويترز بتعرض الاقتصاد المصري لضغوط من ارتفاع أسعار الطاقة والتوترات الإقليمية وتراجع توقعات النمو إلى 4.6% للعامين الماليين 2025 و2026 مع استمرار مخاطر السياحة وقناة السويس والتحويلات وهو سياق يزيد حساسية الجنيه أمام الدولار.

 

وفي الخلاصة تكشف حركة الدولار فوق 52 جنيها أن الأزمة لا تقف عند سعر صرف يومي بل تمتد إلى نموذج اقتصادي يعتمد على القروض والتدفقات الساخنة والتحويلات ولا يملك قاعدة إنتاجية كافية لامتصاص الصدمات لذلك يتحول كل ارتفاع جديد إلى فاتورة معيشة يدفعها المصريون.