تدفع الحكومة برنامج الطروحات إلى مرحلة أكثر حساسية عبر نقل شركات بترول رابحة إلى البورصة في توقيت تعاني فيه المالية العامة من ضغط الديون ونقص الموارد.
وتكشف الخطة أن الحكومة لا تتعامل مع قطاع البترول كأصل استراتيجي يجب حمايته، بل كمصدر سريع للسيولة عبر حصص مطروحة أمام مستثمرين محليين وعرب وأجانب.
قيد مؤقت لشركات البترول يسبق بيع حصص من أصول رابحة
في البداية، تتجه الحكومة إلى اختيار مجموعة أولية من شركات قطاع البترول لقيدها مؤقتًا في البورصة المصرية، وتشمل القائمة شركات “إنبي” و“بتروجت” و“الحفر المصرية” و“بترومنت”، إلى جانب شركات أخرى يجري حسمها ضمن قائمة قد تصل إلى 10 شركات.
وبحسب المعلومات المتاحة، لا يمثل القيد المؤقت طرحًا فعليًا للأسهم فورًا، لكنه يمهد لبيع حصص لاحقة بعد استكمال إجراءات الإفصاح والتقييم، وهو ما يجعل الخطوة جزءًا من مسار أوسع لنقل ملكية جزئية في شركات تعمل داخل قطاع حيوي يرتبط بالطاقة والإيرادات الدولارية.
ثم تأتي هذه الخطوة ضمن برنامج حكومي يستهدف طرح نحو 30 شركة مملوكة للدولة، بعدما تحولت الطروحات إلى بند متكرر في خطاب الحكومة عن توسيع قاعدة الملكية وتعزيز دور القطاع الخاص، بينما تبقى الأسئلة الأساسية متعلقة بسعر البيع والجهات المشترية وحقوق الدولة بعد الطرح.
وفي السياق نفسه، تعمل وحدة الشركات المملوكة للدولة التابعة لمجلس الوزراء على إعادة تنظيم أصول الدولة وتقييم الشركات وتحديد أولويات الطرح، وهو مسار يمنح الحكومة صلاحية واسعة في ترتيب الشركات المطروحة دون رقابة شعبية كافية على منهجية التقييم أو توقيت البيع.
وبعد ذلك، تشير التقديرات إلى أن أولى الطروحات الفعلية في قطاع البترول قد تبدأ خلال الربع الثالث من 2026، بحصص تتراوح بين 10% و20%، وهي نسب تبدو محدودة في ظاهرها، لكنها تفتح بابًا دائمًا لبيع حصص إضافية إذا استمرت أزمة التمويل.
الحكومة تبيع تحت ضغط العجز لا وفق إصلاح واضح
في المقابل، تؤكد تجربة السنوات الماضية أن برنامج الطروحات لم يتحرك بوتيرة منتظمة وفق خطة إصلاح صناعي أو إداري واضحة، بل ارتبط غالبًا بالحاجة إلى توفير عملة صعبة وسد فجوات التمويل، وهو ما جعل بيع الأصول بديلًا سهلًا عن معالجة أسباب الأزمة الاقتصادية.
لذلك، يرى الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن برنامج الطروحات يمكن أن ينشط البورصة المصرية ويجذب مستثمرين أجانب إذا جرى بإدارة جيدة تضمن تعظيم العائد للدولة، لكن هذا الشرط يكشف نقطة الضعف الأساسية لأن الحكومة لم تقدم حتى الآن ضمانات كافية بشأن الشفافية والتقييم.
وبناء على ذلك، يصبح الحديث الحكومي عن جذب الاستثمار ناقصًا عندما تتزامن الطروحات مع ضغوط صندوق النقد الدولي، إذ قالت رويترز إن الصندوق شدد على إصلاحات أعمق تتعلق بتقليص دور الدولة والتخارج من الأصول المملوكة لها ضمن برنامج القرض البالغ 8 مليارات دولار.
كما أن الحكومة تعرض شركات بترولية رابحة في لحظة لا تمنح السوق المحلي قدرة تفاوضية قوية، لأن المستثمر يعرف أن الدولة تحتاج إلى السيولة، وهذه المعرفة تضغط على تقييم الأصول وتمنح المشتري مساحة أكبر للحصول على شروط أفضل من البائع العام.
وفي هذا الإطار، يعتبر الخبير الاقتصادي مدحت نافع أن الطرح ليس هدفًا بذاته، بل وسيلة لتحسين كفاءة الشركات وزيادة الشفافية، لكنه يحذر من أن التنفيذ تحت ضغوط مالية قد يؤدي إلى بيع أصول بأقل من قيمتها الحقيقية، وهو تحذير يطابق جوهر الأزمة الحالية.
ثم تتضح خطورة هذا التحذير عند النظر إلى تباطؤ تنفيذ البرنامج خلال السنوات الماضية مقارنة بالمستهدفات المعلنة، لأن التأخر لا يعني مراجعة جادة للسياسات، بل يعني أن الحكومة تعود إلى الطرح كلما ضاق هامش الاقتراض وارتفعت كلفة خدمة الدين.
الطاقة تتحول من أصل سيادي إلى ورقة تمويل
في المقابل، يكتسب قطاع البترول حساسية إضافية لأن شركاته لا تعمل في نشاط عادي، بل ترتبط بالبنية الأساسية للطاقة والبحث والإنتاج والخدمات الفنية والصيانة والحفر، ولذلك فإن نقل حصص منها إلى مستثمرين جدد يطرح سؤال السيطرة قبل سؤال العائد المالي.
ومن هنا، يحذر الخبير الاقتصادي وائل النحاس من أن التوسع في بيع حصص من شركات استراتيجية داخل قطاع مثل البترول قد يقلص قدرة الدولة على التحكم في مواردها مستقبلًا إذا غابت الضوابط الواضحة، كما يرى أن استخدام الطروحات لتمويل العجز لا يعالج جذور الأزمة.
وبالتوازي، تطرح الحكومة خطابًا يربط الطروحات بتحسين الإدارة وتعزيز الشفافية، بينما تؤكد وقائع التنفيذ أن الأولوية تذهب إلى توفير حصيلة مالية سريعة، وقد أعلنت مصادر رسمية أن اختيار الشركات يعتمد على الملاءة المالية وقدرتها على جذب المستثمرين الأجانب.
ثم يزيد هذا التوجه من القلق لأن الشركات المرشحة ليست شركات متعثرة تحتاج إلى إنقاذ، بل كيانات ذات حضور طويل داخل قطاع البترول، وبعض القوائم المتداولة تضم الشركة العامة للبترول وميدور وإيثيدكو وإيلاب وسوميد إلى جانب إنبي وبتروجت وبترومنت والحفر المصرية.
وعلى هذا الأساس، لا تبدو المشكلة في دخول القطاع الخاص وحده، بل في غياب قواعد منشورة تضمن عدم تحول الطرح إلى خصخصة تدريجية لأصول رابحة، لأن الحكومة لم تعرض للرأي العام تفاصيل التقييم ولا شروط الحوكمة ولا حدود الملكية الأجنبية المحتملة.
وفي المحصلة، يكشف ملف طرح شركات البترول أن الحكومة تستخدم البورصة كطريق سريع لتحويل الأصول العامة إلى سيولة، بينما يدفع المواطن تكلفة الأزمة عبر الأسعار والديون والخدمات المتراجعة، وتبقى الدولة مطالبة بإعلان تقييمات واضحة قبل بيع أي حصة من قطاع الطاقة.
وخلاصة الأمر أن الطروحات قد تنشط سوق المال مؤقتًا، لكنها لن تنقذ اقتصادًا يعتمد على بيع ما يملك بدل إنتاج ما يحتاج، ولن تحمي الموارد العامة إذا ظلت القرارات تصدر من أعلى دون رقابة معلنة ودون ضمانات تمنع بيع الأصول الاستراتيجية بأقل من قيمتها.

