يحذر الكاتب قطب العربي من مرحلة جديدة في أزمة مياه النيل، بعدما انتقلت إثيوبيا من فرض سد النهضة كأمر واقع إلى طرح 3 سدود جديدة على النيل الأزرق.

 

وتكشف هذه الخطوة، بحسب طرح العربي، أن فشل النظام المصري في وقف البناء والملء والتشغيل المنفرد شجع أديس أبابا على توسيع قبضتها على مياه مصر والسودان.

 

إثيوبيا تنتقل من سد النهضة إلى 3 سدود جديدة

 

لم تكتف إثيوبيا ببناء سد النهضة وملئه وتشغيله بشكل منفرد دون اتفاق ملزم مع مصر والسودان، بل طرحت مناقصات لبناء 3 سدود جديدة على النيل الأزرق، ضمن رؤية أوسع تتحدث عن بناء 18 سدًا لزيادة السيطرة على تدفق المياه إلى دولتي المصب.

 

وبحسب ما أورده الكاتب قطب العربي، فإن أديس أبابا قدمت سد النهضة سابقًا بوصفه مشروعًا تنمويًا لتوليد الكهرباء وتنظيم الموارد المائية، لكنها تعود الآن إلى مشروع أوسع، ينتج من الكهرباء أكثر من 10 جيجاوات عبر 3 سدود جديدة، بما يتجاوز ضعف إنتاج سد النهضة تقريبًا.

 

ثم تكتسب هذه الخطوة خطورتها لأنها تأتي بعد اكتمال بناء سد النهضة وافتتاحه رسميًا في سبتمبر 2025، وقد ذكرت رويترز أن السد كلف نحو 5 مليارات دولار، ويولد حتى 5150 ميجاوات، ويحتجز خزانًا تبلغ سعته 74 مليار متر مكعب.

 

وبناء على ذلك، يرى العربي أن طرح السدود الجديدة لا يمكن فصله عن تجربة سد النهضة، لأن إثيوبيا اختبرت الموقف المصري خلال سنوات البناء والملء والتشغيل، ووجدت أن التحركات الرسمية المصرية لم تمنع أي خطوة أحادية، ولم تفرض اتفاقًا قانونيًا ملزمًا.

 

وفي السياق نفسه، أشار موقع أفريكا إنتليجنس في مارس إلى أن أديس أبابا دعت إلى تقديم عطاءات لثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق، كما تناولت مراكز متابعة أميركية في أبريل 2026 إعلان إثيوبيا الشروع في خطط بناء هذه السدود.

 

ويقول الدكتور عباس شراقي، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، إن هذه المشروعات تشير إلى تغيير جذري في إدارة مياه النيل الأزرق، وتحذر قراءته من أن السدود الجديدة قد تزيد ندرة المياه في مصر وتوسع قدرة إثيوبيا على تخزين المياه والتحكم في التدفق.

 

فشل القاهرة يمنح أديس أبابا مساحة أوسع للحركة

 

يربط قطب العربي بين اندفاع إثيوبيا نحو السدود الجديدة وبين فشل نظام السيسي في التعامل مع سد النهضة، إذ يرى أن أديس أبابا عرفت حدود التهديدات المصرية، وأنها لم تعد ترى في التحركات السياسية أو الاستخباراتية خطرًا حقيقيًا يوقف خططها.

 

وبحسب هذه القراءة، استغلت إثيوبيا حالة الاضطراب السياسي بعد ثورة يناير 2011، ثم استغلت ارتباك ما بعد انقلاب 2013، ومضت في بناء سد النهضة دون اكتراث كاف بالاعتراضات المصرية، قبل أن تستغل الآن انشغال الإقليم بحرب إيران وتداعياتها.

 

ثم يضيف العربي أن التوتر بين مصر وبعض الدول الخليجية بعد حرب إيران قد يفتح الباب أمام تمويلات خليجية، خاصة إماراتية، لمشروعات السدود الجديدة، وهو احتمال يطرحه باعتباره جزءًا من عقاب سياسي غير معلن لمصر بسبب موقفها من الحرب.

 

وفي هذا السياق، يعرض العربي رواية عن غضب خليجي من القاهرة، إذ تزعم بعض المنابر أن مصر لم تنفذ شعار مسافة السكة، ولم ترسل قوات علنية لدعم دول الخليج، رغم تسرب أنباء عن تقديم مساعدات عسكرية وأنظمة دفاع جوي وتقنيات عسكرية.

 

وبغض النظر عن حجم هذه التسريبات، فإن جوهر الأزمة يبقى في ضعف موقف القاهرة أمام إثيوبيا، لأن الدولة التي عجزت عن منع سد النهضة من الوصول إلى البناء الكامل والتخزين والتشغيل والافتتاح، تواجه الآن اختبارًا أكبر مع سدود إضافية على المجرى نفسه.

 

ويؤكد الدكتور محمد نصر علام، وزير الري الأسبق، أن الخطر الأكبر على مصر يتمثل في سنوات الجفاف الممتد التي تهدد الأمن المائي المصري وحصص مياه الشرب والزراعة، كما يرى أن إدارة سد النهضة الأحادية تضع دولتي المصب أمام مخاطر يصعب تجاهلها.

 

الأمن المائي المصري أمام اختبار حياة لا يحتمل الانتظار

 

تأتي السدود الجديدة بينما تعاني مصر من أزمة اقتصادية خانقة، وتواجه السودان حربًا داخلية مدمرة، وهو ما يمنح إثيوبيا فرصة للمضي في مشاريعها المائية والكهربائية، في وقت تنشغل فيه دولتا المصب بأزمات داخلية تقلل قدرتهما على الضغط المنظم.

 

وبحسب ما كتبه قطب العربي، لم يفق المصريون بعد من صدمة سد النهضة، بينما تنتظرهم صدمة إضافية قد تلتهم جزءًا آخر من حقوقهم المائية، في ظل حكومة ترفع الأسعار وتطفئ الأنوار وتوسع الاقتراض وتترك ملف المياه يتراجع أمام أزمات يومية ضاغطة.

 

ثم تظهر الآثار الأولية في خطط ترشيد استخدام المياه داخل الزراعة، وفي وقف أو تقييد زراعة محاصيل كثيفة الاستهلاك مثل الأرز وقصب السكر، رغم أن هذه المحاصيل تمثل قيمة استراتيجية للأمن الغذائي والصناعة والريف المصري.

 

وتبلغ حصة مصر التاريخية من مياه النيل 55.5 مليار متر مكعب سنويًا وفق اتفاقية 1959 مع السودان، وهي كمية لا تكفي الاحتياجات الحالية وحدها، حتى مع إضافة المياه الجوفية ومياه الأمطار وبعض المعالجات، بما يجعل أي خفض جديد تهديدًا مباشرًا للحياة اليومية.

 

وفي هذا الإطار، سبق للدكتور هاني رسلان، رئيس وحدة دراسات حوض النيل في مركز الأهرام، أن اعتبر فشل مفاوضات سد النهضة إنذارًا بصراع طويل الأمد في حوض النيل، بسبب التعنت الإثيوبي وإغلاق مسار التفاوض الفعال.

 

وبناء على ذلك، لا يجوز للسلطة أن تنتظر إعلانًا إثيوبيًا رسميًا عن كل سد جديد، لأن أجهزة المعلومات المصرية مطالبة برصد النوايا قبل تحولها إلى مناقصات وقرارات وعقود بناء، ثم التحرك المبكر سياسيًا وقانونيًا وإقليميًا لمنع تكرار سيناريو سد النهضة.

 

وفي الخلاصة، يضع طرح قطب العربي الدولة المصرية أمام سؤال لا يحتمل المراوغة، فإما أن تتحرك لحماية حق المصريين في المياه قبل أن تكتمل السدود الجديدة، وإما أن يتحول النيل إلى ملف خاضع للأمر الواقع الإثيوبي، بينما يدفع المصريون ثمن فشل سياسي ممتد.