تكشف أرقام أولمبياد 2024 ملفا أخطر من مجرد إخفاق رياضي، لأن مصر أنفقت 1.28 مليار جنيه على بعثة أولمبية عادت من باريس بـ3 ميداليات فقط.

 

وتضع هذه الحصيلة الحكومة ووزارة الشباب والرياضة واللجنة الأولمبية والاتحادات أمام سؤال مباشر، أين ذهبت الأموال، ومن اعتمد خطط الإعداد، ومن يحاسب منظومة أنفقت كثيرا وحصدت قليلا.

 

1.28 مليار جنيه لبعثة كبرى وحصيلة محدودة لا تبرر الإنفاق

 

تحول ملف بعثة مصر في أولمبياد باريس 2024 إلى قضية إهدار محتملة للمال العام، بعدما جرى تداول رقم 1.28 مليار جنيه كتكلفة للإعداد والمشاركة، مقابل 3 ميداليات فقط، وهي ذهبية في الخماسي الحديث وفضية في رفع الأثقال وبرونزية في سلاح سيف المبارزة.

 

وفي هذه الزاوية، يصبح حديث النائب طارق عبد العزيز داخل مجلس الشيوخ مجرد مدخل سياسي محدود، لأن أصل القضية لا يتعلق بخطاب برلماني عابر، بل يتعلق بمال عام خرج باسم الإعداد الأولمبي، ثم عاد بنتيجة لا تتناسب مع حجم الإنفاق ولا مع دعاية الدولة عن دعم الرياضة.

 

وبحسب البيانات الرسمية للألعاب، أنهت مصر أولمبياد باريس 2024 برصيد 3 ميداليات، بواقع ذهبية أحمد الجندي في الخماسي الحديث، وفضية سارة سمير في رفع الأثقال، وبرونزية محمد السيد في سلاح سيف المبارزة، وهو رصيد وضع مصر في ترتيب متواضع قياسا بحجم البعثة والإنفاق.

 

وبناء على ذلك، لا تبدو المشكلة في عدد الميداليات وحده، لأن الرياضة تقبل الفوز والخسارة، لكن المشكلة تبدأ حين تتحدث الدولة عن مئات الملايين ثم لا تنشر كشف حساب واضحا يشرح بنود الصرف، ومكافآت المسؤولين، وتكاليف السفر، والمعسكرات، والإعداد، وأسباب فشل أغلب الاتحادات.

 

ثم تتضاعف الشبهة حين تقارن الأرقام بين النتائج والتكلفة، إذ ذكرت تقارير صحفية أن تكلفة كل ميدالية مصرية في باريس تجاوزت 366 مليون جنيه، بينما تحدثت تقارير أخرى عن تكلفة إجمالية قاربت 1.25 مليار جنيه، وهي أرقام قريبة من رقم 1.28 مليار المطروح برلمانيا.

 

وفي هذا السياق، يقول الدكتور حسن مصطفى، رئيس الاتحاد الدولي لكرة اليد، إن الميدالية الأولمبية تحتاج تخطيطا مبكرا وإعدادا واضحا، وهذا الكلام لا يدين اللاعبين، بل يدين الإدارة التي تنفق على المشاركة من دون خطة تكفي لتحويل التمويل إلى إنجاز مستقر ومحاسب عليه.

 

الاتحادات واللجنة الأولمبية بين غياب الخطة وهروب المواهب

 

بعد تثبيت رقم 1.28 مليار جنيه، ينتقل السؤال إلى الاتحادات الرياضية واللجنة الأولمبية، لأن هذه الجهات لا تستطيع الاحتماء وراء فرحة 3 ميداليات، بينما أخفقت ألعاب كثيرة في الوصول إلى منصات التتويج رغم الإنفاق والمعسكرات والدعاية الرسمية قبل السفر إلى باريس.

 

ثم تظهر خطورة الملف في الاتهامات التي وردت داخل المناقشات حول المنشطات والسماسرة وهروب اللاعبين الموهوبين، لأن هذه العناوين لا تخص مباراة خاسرة، بل تخص منظومة إدارة تتحكم في مستقبل اللاعبين، وتفتح الباب أمام شبهات فساد إداري ومالي داخل الاتحادات الرياضية.

 

وبسبب هذه الفوضى، يصبح هروب المواهب وتجنس بعض اللاعبات أو اللاعبين بدول أخرى نتيجة طبيعية لمنظومة لا توفر حماية عادلة ولا فرصا مستقرة، فاللاعب الذي يشعر بالتضييق أو غياب الرعاية لا ينتظر خطابا وطنيا جديدا، بل يبحث عن اتحاد يمنحه خطة وفرصة واحتراما.

 

وفي وقائع باريس نفسها، سبقت المشاركة أزمات علنية داخل البعثة المصرية، بينها جدل اختيار لاعبة الدراجات شهد سعيد قبل استبعادها بعد غضب واسع، وهو ما كشف ارتباكا في معايير الاختيار قبل انطلاق الدورة، لا مجرد سوء حظ أثناء المنافسات.

 

كما أثار ملف البعثة الأكبر في تاريخ مصر أسئلة مبكرة حول مسؤولية الاتحادات والاستعداد للأحداث الدولية، إذ نشرت منصة مدى مصر تقريرا قبل الدورة عن أخطاء ومشكلات داخل البعثة، بما يؤكد أن إشارات الخلل ظهرت قبل الحصيلة النهائية، لكنها لم تتحول إلى محاسبة مسبقة.

 

وفي هذا الإطار، تعطي تصريحات عبد المنعم الحسيني، رئيس اتحاد السلاح، مثالا على الفجوة بين الوعود والنتائج، إذ أعلن قبل باريس أن منتخب السلاح استعد جيدا وتوقع ميداليتين، ثم انتهت اللعبة بميدالية واحدة فقط، ما يفرض مراجعة معايير التوقع والإنفاق والإعداد.

 

مراكز شباب متهالكة ومراهنات رياضية ووزارة تهرب إلى الكلام

 

وبينما تتصدر أرقام الأولمبياد الواجهة، يكشف ملف مراكز الشباب أصل العجز، لأن الدولة تريد ميداليات عالمية من قاعدة محلية ضعيفة، حيث تحدثت المناقشات عن إهمال داخل المراكز وغياب اللاعبين وضعف البنية التحتية، وهي بيئة لا تصنع بطلا ولا تحمي موهبة.

 

ثم تأتي منصات المراهنات الرياضية كوجه آخر للفشل، لأن الوزارة التي عجزت عن بناء منظومة اكتشاف ورعاية حقيقية تركت الشباب أمام سوق مراهنات يتسع حول الرياضة، بينما تتحول الرقابة إلى نقاشات موسمية لا تلاحق التطبيقات ولا تمنع استغلال الفئات الأصغر عمرا.

 

وبسبب هذا الخلل المركب، لا يملك البرلمان قيمة كبيرة إذا اكتفى بتبادل الكلمات، ولا يملك النائب قيمة حقيقية إذا انتهى غضبه عند الميكروفون، لأن المطلوب ليس هجوما خطابيا على الوزارة، بل فتح ملفات الصرف والاتحادات واللجنة الأولمبية ومراكز الشباب والمراهنات دفعة واحدة.

 

ثم يصبح حضور وزير جديد في الجلسة تفصيلا إداريا لا يغير أصل الأزمة، لأن الإنفاق الضخم حدث عبر منظومة كاملة لا عبر شخص واحد، ولأن تحميل الوزير وحده المسؤولية يبرئ شبكات الاتحادات واللجان والمكاتب التي أدارت الإعداد والسفر والميزانيات قبل باريس.

 

وفي المقابل، لا تكفي التهنئة الرسمية للفائزين الثلاثة لتغطية الخسائر الأوسع، فالرئيس المصري هنأ أبطال الميداليات بعد باريس، لكن تهنئة الأبطال لا تجيب عن سؤال المليار و280 مليون جنيه، ولا تعفي الحكومة من نشر حسابات تفصيلية عن المال العام.

 

وفي النهاية، تبدو فضيحة الرياضة المصرية أكبر من جلسة مجلس الشيوخ وأكبر من اسم النائب واسم الوزير، لأن 1.28 مليار جنيه مقابل 3 ميداليات ليست نتيجة رياضية ضعيفة فقط، بل ملف إنفاق يستدعي تحقيقا معلنا، وكشف حساب، ومحاسبة من اعتمد الخطة ومن بدد الفرصة والمال.