رحل الطفل باسل محمد سيد في السويس بعد 15 يومًا داخل العناية المركزة، إثر هجوم كلاب ضالة عليه وهو في طريقه لصلاة الجمعة، لتتحول الواقعة إلى اتهام جديد للحكومة في ملف مهمل يدفع الأطفال ثمنه.
وتأتي وفاة باسل بعد أشهر من إعلان الحكومة استراتيجية لمواجهة الحيوانات الضالة، لكن استمرار الحوادث وأرقام العقر الضخمة يكشف فجوة واضحة بين البيانات الرسمية وحياة المواطنين في الشوارع والمدارس والمناطق السكنية.
طفل يذهب للصلاة فيعود ملفوفًا بكارثة
بدأت الواقعة يوم الجمعة 10 أبريل 2026 في منطقة ناصر بمحافظة السويس، حين كان الطفل باسل محمد سيد، البالغ 10 سنوات، في طريقه لأداء صلاة الجمعة برفقة شقيقه وأصدقائه، قبل أن تحاصره مجموعة من الكلاب الضالة وتدفعه إلى محاولة الهرب وسط الشارع.
وبعد لحظات من المطاردة، تعرض الطفل لإصابات خطيرة شملت نزيفًا بالبطن وتهتكًا في الطحال، ونقل الأهالي باسل إلى مجمع السويس الطبي في حالة حرجة، بينما أعلن مصدر طبي حالة الطوارئ داخل قسم الاستقبال بسبب خطورة الإصابة وعدم استقرار حالته.
ثم دخل باسل غرفة العناية المركزة، واحتاج إلى إنعاش قلبي ورئوي ونقل دم متكرر، وظلت حالته غير مستقرة طوال أيام العلاج، حتى فارق الحياة بعد نحو 15 يومًا من الصراع مع مضاعفات الإصابات التي تعرض لها أثناء محاولته النجاة.
وبذلك، لم تكن مأساة باسل مجرد حادث طريق أو إصابة عابرة، لأن سبب الرعب الأول كان انتشار الكلاب الضالة في منطقة سكنية يستخدمها الأطفال يوميًا، وهو ما يجعل المسؤولية تمتد إلى الجهات المحلية التي تركت الخطر يتراكم حتى وصل إلى طفل خارج من بيته للصلاة.
وفي هذا السياق، قال الدكتور مجدي حسن، نقيب الأطباء البيطريين، إن مشكلة كلاب الشوارع تمثل تحديًا كبيرًا في مصر، وأشار إلى أن تقديرات أعدادها تتراوح بين 10 و15 مليون كلب، بينما تصل بعض التقديرات إلى 40 مليونًا مع غياب إحصاء دقيق.
أرقام العقر تكشف أزمة لا تعالجها البيانات
بعد وفاة باسل، عاد ملف عقر الكلاب إلى واجهة الغضب الشعبي، لأن وزارة الصحة نفسها أعلنت أن مصر سجلت نحو 1.4 مليون حالة عقر خلال عام 2025، مقارنة بما لا يقل عن 1.2 مليون حالة في أعوام سابقة، وهو ارتفاع لا يمكن التعامل معه كرقم عابر.
وبحسب الدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث باسم وزارة الصحة والسكان، بلغت تكلفة توفير اللقاحات والأمصال لعلاج حالات العقر نحو 1.7 مليار جنيه في 2025، كما أوضح أن الكلاب مسؤولة عن نحو 90% من حالات الإصابة بالسعار المسجلة.
ثم يطرح هذا الرقم سؤالًا مباشرًا عن أولويات الحكومة، لأن الدولة تنفق مليارات على علاج نتائج الأزمة بعد وقوعها، بينما تبقى الشوارع مفتوحة أمام الخطر نفسه، ولا يحصل المواطن على ضمان واضح يمنع تكرار الهجوم على طفل أو مسن أو عامل في طريق يومي.
وبسبب تكرار الحوادث، تقدم النائب إبراهيم نظير في أغسطس 2025 بطلب إحاطة إلى رئيس الوزراء ووزراء الزراعة والتنمية المحلية والصحة والبيئة بشأن تهديد الكلاب الضالة للمجتمع المصري، وهو ما يثبت أن التحذيرات وصلت إلى الحكومة قبل وفاة باسل بوقت كاف.
وفي هذا المسار، يؤكد الدكتور حامد موسى الأقنص، رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية، أن السيطرة على السعار تتطلب التوسع في التحصين والتعقيم، وقد أعلنت الوزارة تحصين وتعقيم 11642 كلبًا منذ بداية يناير 2026، وهو رقم يبدو محدودًا أمام حجم الظاهرة المعلن.
استراتيجية الحكومة تصطدم بالشارع والضحايا
في يناير 2026، أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي استراتيجية وطنية للتعامل مع الحيوانات الضالة والمتروكة، وتحدثت الحكومة عن إبعاد الكلاب عن المناطق المأهولة، والتوسع في التحصين والتعقيم، وإنشاء مراكز إيواء خارج الكتل السكنية، بهدف حماية المواطنين ومراعاة الرفق بالحيوان.
لكن وفاة باسل بعد 3 أشهر فقط من إعلان تلك الخطة تضع الاستراتيجية أمام اختبار قاس، لأن المواطن لا يقيس نجاح الحكومة بعدد الاجتماعات أو صياغة البيانات، بل يقيسه بقدرة الطفل على السير إلى المسجد أو المدرسة من دون مطاردة كلاب ضالة داخل منطقة مأهولة.
ثم تكشف بيانات الحكومة نفسها ضعف التنفيذ مقارنة بحجم الخطر، إذ تحدث تقرير مجلس الوزراء عن تحصين 121 ألف كلب ضد السعار خلال 2025، وإجراء 8311 عملية تعقيم فقط، وهي أرقام لا تتناسب مع تقديرات تتحدث عن ملايين الكلاب الضالة في الشوارع.
وفي السياق نفسه، قالت الشروق إن مصدرًا مسؤولًا بمديرية الطب البيطري في القاهرة أكد عدم وجود مراكز إيواء كافية لاستيعاب أعداد الكلاب الضالة المنتشرة في الشوارع، وأشار إلى إنشاء مركز في التبين باعتماد مالي يبلغ نحو 2.5 مليون جنيه.
وبناء على ذلك، تبدو الحكومة كأنها تدير الأزمة بعد موت الضحايا لا قبل وقوع الحوادث، لأن الخطة المعلنة لا تمنع طفلًا في السويس من الهروب مذعورًا، ولا تمنع أسرة من انتظار خبر الوفاة بعد أسبوعين من العناية المركزة، ولا تمنح المواطنين مسارًا سريعًا للشكاوى والمحاسبة.
كما أن حماية المواطنين لا تتعارض مع قواعد الرفق بالحيوان، لأن الدولة القادرة يجب أن توفر مآوي كافية وتحركًا بيطريًا سريعًا ورقابة محلية على المناطق الساخنة، بدل ترك الشارع للاجتهاد بين مطالب الإزالة الفورية ومخاوف الجمعيات من الحلول العشوائية.
وفي النهاية، لا يحتاج ملف الكلاب الضالة إلى بيان جديد بعد وفاة باسل، بل يحتاج إلى إعلان مسؤولية محلية واضحة في السويس، ونشر خريطة للمناطق الخطرة، وتحديد مواعيد لنقل الكلاب من محيط المدارس والمساجد والمستشفيات، ومحاسبة كل جهة تركت الخطر حتى وصل إلى طفل.
وتبقى وفاة باسل محمد سيد دليلًا مؤلمًا على أن فشل الإدارة العامة قد يقتل في لحظة عادية، لأن طفلًا خرج إلى صلاة الجمعة ولم يعد، ولأن حكومة أعلنت خطة وطنية ثم تركت الشارع ينتج مأساة جديدة، ولأن الأرقام الرسمية لم تتحول بعد إلى حماية فعلية للناس.

