تعقد جلسة مجلس الشيوخ العامة يوم الأحد 26 أبريل 2026 وسط جدول مزدحم بملفات تمس حياة ملايين المصريين مباشرة، من المراهنات الرياضية إلى مراكز الشباب، ومن بطالة العريش إلى أسعار الاتصالات، ومن أزمة العملات المعدنية إلى عجز المستشفيات الجامعية، ثم إلى تعديلات قانون التأمينات والمعاشات في اليوم التالي.
لكن كثافة البنود لا تعني بالضرورة جدية الاستجابة لأن المشهد البرلماني يكشف مرة أخرى طريقة حكم تفضل تدوير الشكاوى داخل القاعات بدل مساءلة الحكومة عن أصل الإخفاق في السياسات العامة، ويظهر ذلك بوضوح في تكرار الاقتراحات المرتبطة بالخدمات الأساسية والبنية التحتية والأسعار والتشغيل بما يؤكد أن الأزمات لم تعد حالات منفصلة بل صارت نتيجة مباشرة لإدارة مركزية عاجزة عن تقديم حلول عادلة أو سريعة فيما يتحول المجلس إلى منصة لتسجيل الغضب المؤجل أكثر من كونه ساحة لفرض التغيير على حكومة راكمت الوعود ووسعت الفجوة بين الدعاية والواقع.
تبدأ الجلسة باعتذارات الأعضاء والرسائل الواردة ثم تنتقل إلى طلبات المناقشة العامة بشأن منصات المراهنات الرياضية وتطوير مراكز الشباب ومراجعة نتائج بعثة مصر في الدورة الأوليمبية السابقة، والاستعداد لأولمبياد 2028 قبل أن تتشعب المناقشات إلى الضرائب والعملات المعدنية والبطالة والكهرباء والطرق والسكك الحديدية والاتصالات والذكاء الاصطناعي والزراعة والدواجن والمحتوى الرقمي وإعلانات شركات المكافحة المنزلية، ثم تصل في جلسة الاثنين 27 أبريل 2026 إلى مشروع قانون تعديل بعض أحكام قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات الصادر بالقانون رقم 148 لسنة 2019.
وهذا الاتساع لا يعكس قوة دولة ممسكة بالملفات بل يكشف اتساع دائرة التعطل داخل أجهزة الحكم لأن جدول الأعمال نفسه يقر بأن الحكومة تركت مشكلات متراكمة في الرياضة والعمل والصحة والاتصالات والمعاشات حتى عادت دفعة واحدة إلى القاعة تحت ضغط الشكاوى والاقتراحات والاحتياج الاجتماعي المباشر.
منصات المراهنات ومراكز الشباب وأولمبياد 2028 أمام جلسة تكشف ارتباك السياسة الرياضية
تطرح الجلسة أولًا طلب النائبة ميرال الهريدي بشأن مواجهة منصات المراهنات الرياضية ثم طلب النائب نشأت حته عن آليات تطوير مراكز الشباب ثم طلب النائب الحسيني مصطفى كمال بشأن نتائج بعثة مصر الأوليمبية السابقة وإعداد كوادر قادرة على المنافسة في أولمبياد 2028 وبذلك يفتح المجلس ثلاثة ملفات متصلة بالشباب والرياضة لكن من زاوية تكشف قصور السياسة الحكومية أكثر مما تكشف نجاحها.
تأتي أولوية ملف المراهنات بعد موجة تحركات رسمية تحدثت عن حجب تطبيقات مخالفة وضبط شبكات مرتبطة بالمراهنات الإلكترونية وهو ما يوضح أن الخطر لم يعد مسألة أخلاقية مجردة بل صار ملفًا أمنيًا وماليًا واجتماعيًا يطول المراهقين والشباب ويستفيد من ثغرات الدفع الرقمي وسهولة الوصول عبر الهواتف والمنصات.
وفي هذا السياق قال المهندس إسلام غنيم خبير أمن الألعاب والمراهنات إن هذه التطبيقات تجمع بيانات المستخدمين وتبني ملفات عن سلوكهم وتفضيلاتهم بما يسمح باستهدافهم بصورة أكثر دقة وهو تحذير يضاعف مسؤولية الحكومة لأن التراخي هنا لا يفتح باب الخسارة المالية فقط بل يفتح باب الإدمان والاستغلال الرقمي المنظم.
ثم ينتقل الملف الرياضي إلى مراكز الشباب حيث تشير خطة وزارة الشباب والرياضة للعام المالي 2025 و2026 إلى وجود 4540 مركز شباب على مستوى الجمهورية مع حديث رسمي متكرر عن محاور إنشائية واستثمارية وبرامجية لكن مجرد طرح الملف داخل مجلس الشيوخ يثبت أن الشبكة الواسعة لم تتحول حتى الآن إلى خدمة عادلة ومتوازنة تصل إلى كل المحافظات بنفس الكفاءة.
وفي هذا الإطار يظهر اسم الدكتور كمال درويش أستاذ الإدارة الرياضية ورئيس اللجنة العلمية بالأكاديمية الأوليمبية المصرية بوصفه أحد أبرز الخبراء المرتبطين بملف التطوير المؤسسي للرياضة إذ يؤكد حضوره المتكرر في البنية العلمية للقطاع أن الإصلاح الرياضي يحتاج قواعد مهنية مستقرة لا حملات دعائية متقطعة بينما يواصل الواقع كشف الفجوة بين الكلام عن الحوكمة وبين استمرار العيوب الإدارية والهيكلية داخل المنظومة.
كما تكتمل الصورة بطلب مناقشة نتائج بعثة مصر في الدورة الأوليمبية السابقة والاستعداد لأولمبياد 2028 وهو طلب يضع الوزارة واللجنة الأوليمبية أمام سؤال واضح عن الحصيلة لا عن الخطابات لأن التخطيط لأولمبياد جديد لا يستقيم من دون مراجعة صريحة لأوجه القصور في الإعداد والتمويل والاختيار ومسارات اكتشاف الموهوبين منذ القاعدة.
البطالة والطرق والاتصالات والصحة والتعليم تكشف حجم التآكل في الخدمات الأساسية
بعد ذلك يناقش المجلس تقارير تتعلق بإعادة النظر في آلية تطبيق الاتفاقيات الدولية لتجنب الازدواج الضريبي ومنع التهرب من الضرائب على الدخل إلى جانب اقتراح طرح كميات كافية من العملات المعدنية وهي بنود تبدو متفرقة ظاهريًا لكنها تتصل بعطب إداري واحد عنوانه ضعف إدارة السوق والخدمات اليومية وعجز الحكومة عن ضبط أثر قراراتها على المعاملات الفعلية للمواطنين.
ومن هذا المدخل يصل المجلس إلى ملف البطالة في العريش عبر اقتراح يطالب بخطة عاجلة وشاملة لدعم فرص العمل للشباب في مدينة العريش ثم إلى ملف توصيل التيار الكهربي لبعض التجمعات والقرى في بئر العبد بما يعكس أن شمال سيناء لا يزال يواجه نقصًا واضحًا في الخدمات وفرص التشغيل رغم سنوات طويلة من الوعود الرسمية عن التنمية والدمج والاستقرار.
ثم تتسع المناقشات إلى ملفات الإسكان والإدارة المحلية والنقل عبر طلبات تشمل ضم مساحات ناتجة من التحجير وتركيب أسوار خرسانية وإنشاء كوبري جديد وازدواج خط سكة حديد طنطا والسنطة وزفتي والزقازيق وتجميل ميادين داخل مدينة زفتي وإنشاء كباري مشاة في شارع التسعين الشمالي واستكمال أعمال الرصف في طريق أسيوط والقوصية الزراعي وهو اتساع يفضح بوضوح أن الحكومة لم تنجز احتياجات بديهية في الأمن المروري والبنية الأساسية والتنظيم المحلي.
وعلى المسار نفسه يناقش المجلس آليات تنفيذ مستهدفات قانون إنشاء وتنظيم نقابة التكنولوجيين وتطوير مستشفيات جامعة المنيا تمهيدًا للتعاقد مع منظومة التأمين الصحي الشامل وعودة خدمة الطوارئ إلى مستشفى سوهاج الجامعي وهي ملفات تؤكد أن التعليم التقني والخدمة الصحية الجامعية ما زالا رهينة نقص التمويل وسوء الأولويات بينما تستمر الدولة في التوسع الخطابي أكثر من التوسع الخدمي.
وبسبب الضغط الشعبي على أسعار الاتصالات ينظر المجلس كذلك في اقتراحات تتعلق بالباقات الإضافية أو توفير باقات غير محدودة بأسعار عادلة وتحسين كفاءة الشبكات في الغربية وإطلاق مشروع نادي الذكاء الاصطناعي وإعداد خريطة قطاعية وطنية للمهارات والوظائف المستقبلية وهو ترتيب يكشف تناقضًا فادحًا لأن الدولة تتحدث عن الذكاء الاصطناعي والوظائف المستقبلية بينما ما يزال المستخدم يطارد خدمة أساسية مستقرة وسعرًا محتملًا للاتصال.
وفي هذا الملف قالت النائبة مها عبد الناصر في توضيح منشور إن الحل الأمثل يقترب من نموذج إنترنت غير محدود بسياسة استخدام عادلة وهو طرح يلتقي مع الغضب المتصاعد من الباقات المحدودة وأسعارها لأن الأزمة لم تعد تقنية فقط بل صارت قضية عدالة في الوصول إلى المعرفة والعمل والخدمات الرقمية داخل بلد يدفع مواطنوه أكثر مقابل خدمة أقل استقرارًا.
المعاشات والزراعة والمحتوى الرقمي في مواجهة حكومة تلاحق آثار سياساتها لا أسبابها
ينتقل المجلس كذلك إلى الزراعة والري عبر اقتراحات بشأن إنشاء فرع للبنك الزراعي في أبيس وتعديل آلية التعويض ومنهجية التسعير لقروض الإنتاج النباتي واتخاذ إجراءات عاجلة لضبط سوق الدواجن والحد من ارتفاع الأسعار وتغطية عدد من الترع في الشرقية والجيزة وهي ملفات ترتبط مباشرة بتكلفة الإنتاج والغذاء وتكشف أن الحكومة تركت الريف يواجه السوق وحده ثم عادت لمناقشة الآثار بعد اتساع الضرر.
وفي الملف الثقافي والإعلامي يناقش المجلس اقتراح تنظيم المحتوى المحلي والعربي على منصات البث الرقمي إلى جانب اقتراح بوقف إعلانات شركات المكافحة المنزلية ووضع قواعد ملزمة بالحصول على موافقة وزارة الصحة وهي بنود تعكس قلقًا متزايدًا من سوق إعلان ومحتوى يعمل بأضعف رقابة فعلية بينما تتأخر الدولة عادة حتى تتحول الثغرات إلى أزمات معلنة.
أما جلسة الاثنين 27 أبريل 2026 فتفتح أخطر البنود اجتماعيًا عبر مناقشة مشروع قانون مقدم من الحكومة لتعديل بعض أحكام قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019 بعد موافقة لجنة برلمانية مشتركة عليه وقولها إن التعديل يستهدف ربط القسط السنوي بمعدلات التضخم والحفاظ على القيمة الحقيقية لأموال التأمينات لكن مجرد الحاجة إلى هذا التعديل تؤكد أن الصياغات السابقة لم تكن كافية لحماية أصحاب المعاشات من التآكل.
وقد أوضح اللواء جمال عوض رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي في نهاية نوفمبر 2025 أن الحد الأدنى لأجر الاشتراك التأميني ارتفع إلى 2700 جنيه والحد الأقصى إلى 16700 جنيه كما ارتفع الحد الأدنى للمعاش للمحالين للتقاعد من يناير 2026 إلى 1755 جنيهًا وهو رقم يشرح بنفسه حجم الفجوة بين كلفة المعيشة وبين ما يحصل عليه أصحاب المعاشات.
وفي المقابل قدم الباحث الاقتصادي والعمالي إلهامي الميرغني قراءة أكثر صراحة حين اعتبر أن الحد الأدنى للمعاش البالغ 1755 جنيهًا يظل بعيدًا جدًا عن الحد الأدنى للأجور البالغ 7000 جنيه وهو ما يحول أي حديث رسمي عن الحماية الاجتماعية إلى صياغة منقوصة لأن المعاش هنا لا يحمي صاحبه من الغلاء بل يتركه مكشوفًا أمامه.
وهكذا تنتهي صورة الجلستين إلى حقيقة واحدة واضحة إذ يجمع مجلس الشيوخ في يومين ملفات المراهنات والرياضة والبطالة والكهرباء والطرق والاتصالات والصحة والزراعة والمحتوى الرقمي والمعاشات لا لأن الدولة في أفضل أحوال المتابعة بل لأن الحكومة أخرت العلاج حتى تراكمت الشكاوى فوق بعضها وصارت القاعة شاهدًا على اتساع الفشل لا على ضيقه وعلى أن المصريين يدفعون ثمن السياسات مرتين مرة في حياتهم اليومية ومرة أخرى حين ينتظرون مناقشتها بعد وقوع الضرر.

