تدخل أسواق الطاقة العالمية يوم 22 أبريل 2026 مرحلة جديدة من الاضطراب بعد تجدد إطلاق النار على سفن في مضيق هرمز واستمرار القيود الأميركية والإيرانية على الملاحة، وهو ما دفع خام برنت إلى الصعود مجددا قرب مستوى 100 دولار للبرميل بعد أيام قليلة من هبوط حاد ارتبط بإعلان فتح الممر مؤقتا خلال هدنة قصيرة.

 

وتؤكد البيانات المنشورة اليوم أن برنت ارتفع إلى 100.19 دولار خلال التعاملات، بينما كان قد هبط يوم 17 أبريل بنحو 9% إلى 90.38 دولار بعد إعلان إيراني مؤقت عن فتح المضيق. هذا التذبذب الحاد لا يكشف فقط هشاشة السوق الدولية، بل يفضح أيضا هشاشة الحكومات المستوردة للطاقة وفي مقدمتها الحكومة المصرية التي تتابع المشهد من موقع المتلقي للأزمة لا من موقع القادر على امتصاص الصدمة، بينما تتسع أمامها مخاطر الاستيراد والضغط على الدولار وكلفة الدعم وفاتورة النقل والإنتاج.

 

تتضاعف خطورة هذه التطورات لأن الأزمة لم تعد مجرد موجة صعود عابرة في سعر النفط، بل صارت مرتبطة باختناق فعلي في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. رويترز نقلت أن مضيق هرمز كان يحمل قبل الحرب نحو 20% من تدفقات النفط والغاز المسال عالميا، وأن المرور فيه ما زال عند جزء محدود جدا من مستواه الطبيعي بعد أسابيع من الحرب التي بدأت في 28 فبراير. وفي 20 أبريل سجلت بيانات التتبع البحري عبور 3 سفن فقط خلال 12 ساعة، مقارنة بنحو 130 سفينة يوميا في الظروف المعتادة. هذه الأرقام تضع القاهرة أمام مأزق مباشر لأن أي اختلال ممتد في الإمدادات أو الأسعار سيدفع الحكومة إلى تدبير دولارات إضافية لشراء الطاقة في وقت تعاني فيه أصلا ضغوط تمويلية واستحقاقات خارجية ثقيلة.

 

التصعيد البحري يعيد النفط إلى الواجهة ويرفع كلفة الاستيراد على القاهرة

 

وفي هذا السياق جاء التصعيد الأخير بعد إعلان الولايات المتحدة الاستيلاء على سفينة شحن إيرانية يوم 19 أبريل، ثم عودة التوتر داخل المضيق مع تعرض سفن لإطلاق نار وفرض قيود جديدة على العبور. رويترز ذكرت أن الجيش الأميركي قال إنه أطلق النار على سفينة ترفع العلم الإيراني وأن واشنطن باتت تحتجزها بالكامل، بينما ردت طهران بالتهديد بالانتقام ورفضت استئناف التفاوض في ظل الحصار البحري والضغوط الأميركية.

 

وبعد ذلك مباشرة انعكس التصعيد على السوق بطريقة سريعة، إذ قفز خام برنت يوم 19 أبريل إلى 95.48 دولار عند التسوية ثم واصل الصعود في 22 أبريل إلى 100.19 دولار خلال التعاملات، بعدما كانت الأسعار قد هبطت بقوة يوم 17 أبريل عقب إعلان فتح مؤقت للممر الملاحي. هذا المسار يثبت أن السوق لم تعد تتعامل مع الأزمة باعتبارها حادثا محدودا، بل باعتبارها تهديدا مستمرا للإمدادات العالمية.

 

وفي التقدير الفني للأزمة قال فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، إن أزمة النفط والغاز الحالية الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز “أكثر خطورة من أزمات 1973 و1979 و2022 مجتمعة”، وأضاف أن العالم لم يشهد من قبل اضطرابا في الإمدادات بهذا الحجم. وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة لأنها تصدر عن المؤسسة الدولية الأهم في متابعة سوق الطاقة وليس عن جهة مضاربة أو طرف سياسي مباشر.

 

مضيق هرمز يبقى عقدة الإمدادات العالمية ويغذي الفوضى في السوق

 

ثم إن خطورة المضيق لا ترتبط بالرمزية الجيوسياسية فقط، بل بحجم الخام والغاز الذي يمر عبره يوميا. رويترز أوضحت أن الحرب أوقفت أو عطلت نحو 20% من تدفقات النفط والغاز المسال عالميا، كما دفعت وكالة الطاقة الدولية في 12 مارس إلى وصف ما يجري بأنه أكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ، مع توقع هبوط المعروض العالمي في مارس وحده بنحو 8 ملايين برميل يوميا بسبب إغلاق المضيق.

 

ولأن الإمدادات انكمشت بهذا الحجم، اتسعت رهانات السوق على مزيد من الارتفاع. رويترز ذكرت في 26 مارس أن متعاملين كثفوا شراء عقود الخيارات التي تراهن على صعود برنت إلى 150 دولارا للبرميل بنهاية أبريل، بعد أن ارتفع الخام بنحو 50% منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير. هذه الرهانات لا تعني أن السعر سيصل حتما إلى هذا المستوى، لكنها تكشف اتساع الخوف من استمرار التعطل.

 

وفي قراءة السوق اليومية قال جون إيفانز، محلل أسواق النفط في “بي في إم”، يوم 16 أبريل إن الشكوك ما زالت تحكم المشهد وإن كل عنوان سياسي يقابله عنوان مضاد يعطل أي تهدئة سريعة. وتفسير إيفانز ينسجم مع حركة الأسعار نفسها، لأن كل إعلان عن هدنة أو تفاوض يتبعه غالبا حادث ميداني جديد يعيد الأسعار إلى الصعود ويمنع استقرار السوق.

 

الحكومة المصرية تدفع ثمن الاعتماد على الخارج مع كل صدمة نفطية جديدة

 

وبسبب هذا الاضطراب الدولي تواجه الحكومة المصرية عبئا مضاعفا، لأن ارتفاع النفط لا يرفع فقط كلفة شراء الخام والمنتجات البترولية بل يضغط أيضا على سعر الدولار والنقل والإنتاج والكهرباء. رويترز أشارت إلى أن الحرب مع إيران رفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة نفسها وأثرت في مبيعات التجزئة، كما دفعت الاتحاد الأوروبي إلى بحث فرض مخزونات إلزامية من وقود الطائرات. وإذا كانت هذه الاقتصادات الكبرى تستعد للطوارئ، فإن القاهرة تبدو أكثر انكشافا بحكم عجزها الدولاري واعتمادها على الاستيراد.

 

ثم إن الخطر على مصر لا يقف عند حدود السعر الفوري للبرميل، بل يمتد إلى احتمال استمرار الإغلاق أو بطء عودة الملاحة. رويترز نقلت اليوم أن استمرار إغلاق المضيق أدى إلى فقدان 13 مليون برميل يوميا من الإمدادات العالمية منذ بداية الحرب، كما أدى إلى انكماش الطلب بفعل نقص الوقود وارتفاع الأسعار وإجراءات الترشيد في آسيا وأوروبا. هذا يعني أن السوق دخلت فعلا مرحلة اضطراب ممتد لا موجة عابرة.

 

وفي هذا الإطار قال راسل هاردي، الرئيس التنفيذي لشركة “فيتول”، إن تدمير الطلب العالمي بلغ نحو 4 ملايين برميل يوميا تحت ضغط الأزمة، وهو تقدير أكبر من تقدير وكالة الطاقة الدولية نفسها. وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها لأن انخفاض الطلب هنا لا يعكس وفرة أو استقرارا، بل يعكس عجز مستهلكين ومصاف وشركات نقل عن تحمل كلفة الطاقة المرتفعة. وعندما يصل السوق إلى هذه النقطة تصبح الحكومات المستوردة أمام خيارات أكثر قسوة في التسعير والتمويل.

 

وأخيرا تكشف التطورات المتلاحقة منذ 17 أبريل حتى 22 أبريل أن الحكومة المصرية تواجه أزمة طاقة خارجية في توقيت مالي شديد الحساسية، وأن أي محاولة لتخفيف أثرها داخليا ستصطدم بضعف الموارد الدولارية وارتفاع كلفة الواردات وتزايد أعباء الموازنة. لذلك فإن أخطر ما في المشهد الحالي ليس فقط صعود النفط مجددا، بل انكشاف سياسة اقتصادية تركت البلاد رهينة لكل توتر في هرمز وكل قفزة في برنت وكل قرار عسكري يصدر خارج حدودها.