أعلنت وزيرة العمل الأمريكية لوري تشافيز-ديريمر استقالتها من منصبها، لتصبح ثالث مسؤول على مستوى الوزارة يغادر إدارة الرئيس دونالد ترامب خلال أسابيع، في تطور يعكس حجم الاضطراب الذي بات يطارد البيت الأبيض مع تصاعد ملفات السلوك المهني واستغلال النفوذ داخل المؤسسات الفدرالية. وجاءت الاستقالة بينما كانت وزارة العمل تواجه تداعيات تحقيق مطول أجراه المفتش العام بشأن اتهامات تتعلق بسوء استخدام الموارد العامة، وعلاقة غير مناسبة مع أحد أفراد فريقها الأمني، إضافة إلى شكاوى بشأن إدارة المكتب والرسائل الشخصية الموجهة إلى موظفين شباب داخل الوزارة.

 

لم تكن القضية مجرد خلاف إداري عابر داخل مؤسسة تنفيذية، بل تحولت سريعًا إلى اختبار سياسي للإدارة الأمريكية التي حاولت في البداية احتواء الأزمة بالنفي والتقليل من شأن الاتهامات، قبل أن تنتهي إلى قبول خروج الوزيرة من المشهد. فالاستقالة لم تأتِ في فراغ، بل بعد أشهر من التسريبات الصحفية والتقارير التي ربطت اسم تشافيز-ديريمر بسلسلة اتهامات متشابكة، من بينها استخدام رحلات رسمية لأغراض شخصية، وتكليف مساعدين بمهام لا ترتبط مباشرة بعمل الوزارة، وتنامي الحديث عن بيئة عمل مضطربة دفعت عددا من كبار المساعدين إلى المغادرة. وفي النهاية، أعلن البيت الأبيض أن نائبها كيث سونديرلينغ سيتولى المنصب بالإنابة.

 

من تحقيق داخلي إلى استقالة سياسية

 

بدأت الأزمة تتشكل على نحو أكثر وضوحًا مع اتساع نطاق التحقيق الذي أجراه المفتش العام بوزارة العمل بشأن بلاغات من داخل المؤسسة. ووفق ما أوردته رويترز، فإن التحقيق تناول اتهامات بمخالفة مهنية شملت علاقة مزعومة بين الوزيرة وأحد أفراد فريقها الأمني، إلى جانب استخدام موارد الوزارة في رحلات ذات طابع شخصي. كما أشارت الوكالة إلى أن تشافيز-ديريمر كانت على وشك الخضوع لمقابلة رسمية ضمن التحقيق خلال الأيام المقبلة، قبل أن تعلن استقالتها.

 

وتوسع الملف لاحقًا مع تقارير صحفية أمريكية أخرى تحدثت عن رسائل وطلبات شخصية وُجهت إلى موظفين شباب داخل الوزارة من جانب الوزيرة وبعض مساعديها وأفراد من عائلتها. ونقلت أسوشيتد برس عن تقارير سابقة أن هذه المعطيات

 

ظهرت ضمن مراجعة أوسع لسلوك القيادة العليا في الوزارة، وأن عددا من المسؤولين في محيط الوزيرة غادروا بالفعل مع تصاعد التحقيق. أما واشنطن بوست فأشارت إلى أن الضغوط تزايدت بعد بروز اتهامات متصلة بالسفر الممول من أموال دافعي الضرائب، وبطلبات غير مهنية خلال رحلات العمل، ما جعل بقاء الوزيرة أكثر كلفة سياسيًا على الإدارة.

 

هذا المسار يكشف أن الاستقالة لم تكن قرارًا شخصيًا معزولًا، بل كانت نتيجة مباشرة لتراكم وقائع جعلت الدفاع عنها أكثر صعوبة. فالإدارة التي منحت الوزيرة في السابق غطاءً سياسيًا، وأكدت مرارًا أن الرئيس ترامب يثق في أدائها، وجدت نفسها أمام ملف يتسع إعلاميًا ومؤسسيًا في وقت حساس. ومن هنا، بدا الخروج أقل كلفة من الإبقاء على مسؤولة تحاصرها التحقيقات وتفتح على الإدارة جبهة جديدة من الإحراج.

 

اتهامات السلوك وإدارة المكتب.. صورة وزارة مضطربة

 

لم تقتصر المشكلة على الاتهامات الشخصية، بل امتدت إلى طريقة إدارة مكتب الوزيرة وعلاقتها بالموظفين. فقد ذكرت أسوشيتد برس أن الوزيرة واجهت مزاعم تتعلق بشرب الكحول أثناء ساعات العمل، وأنها كلّفت مساعدين بترتيب رحلات رسمية لأسباب يغلب عليها الطابع الشخصي. كما تحدثت الوكالة عن وجود شكاوى مرتبطة بإساءة استخدام السلطة داخل الوزارة، وهو ما نقل القضية من مستوى الشبهة الأخلاقية إلى مستوى التساؤل حول كفاءة الإدارة والانضباط المؤسسي.

 

وفي السياق نفسه، أوضحت رويترز أن التحقيق لم يقتصر على تشافيز-ديريمر وحدها، بل شمل أيضًا بعض كبار مساعديها، في ظل اتهامات بإرسال رسائل شخصية وطلبات غير مناسبة إلى موظفين شباب. وأشارت الوكالة إلى أن هذه التطورات أدت بالفعل إلى استقالات داخل الحلقة القريبة من الوزيرة، بما يعزز الانطباع بأن الأزمة كانت بنيوية داخل مكتبها، لا مجرد حادث فردي منفصل.

 

أما واشنطن بوست فلفتت إلى أن الوزيرة كانت قليلة الحضور داخل مقر الوزارة مقارنة بسابقيها، وفق ما قاله موظفون للصحيفة، وأن إدارة الملفات اليومية كانت تميل إلى الاعتماد على الدائرة الضيقة المحيطة بها. هذه الصورة تعزز فكرة أن الأزمة لم تنفجر فقط بسبب اتهام واحد، بل بسبب مناخ إداري متوتر سمح بتراكم الشكاوى وتضخمها إلى أن أصبحت عبئًا على المؤسسة وعلى الإدارة السياسية التي يفترض أن تحميها.

 

ورغم ذلك، نفت تشافيز-ديريمر الاتهامات، وقالت في بيان بعد الاستقالة إنها ستواصل الدفاع عن العمال الأمريكيين، بينما اعتبر محاميها أن استقالتها لا تعني ارتكاب مخالفات قانونية. كما وصفت، في منشور على حسابها، الاتهامات الموجهة إليها وإلى فريقها وعائلتها بأنها جزء من حملة تقودها أطراف داخل ما سمته “الدولة العميقة” بالتنسيق مع الإعلام. لكن هذا النفي لم يكن كافيًا لوقف التدهور، خاصة بعد أن أصبحت القضية موثقة في أكثر من مسار صحفي ومؤسسي.

 

خسارة سياسية لإدارة ترامب وارتباك في ملف العمل

 

تتجاوز دلالات الاستقالة حدود الشخص إلى حسابات الإدارة الأمريكية نفسها. فتشافيز-ديريمر لم تكن وزيرة عادية داخل حكومة ترامب، بل كانت حالة خاصة داخل المعسكر الجمهوري، لأنها دخلت وزارة العمل بخلفية أقل صدامًا مع النقابات من كثير من الجمهوريين، وحصلت عند تعيينها في مارس 2025 على دعم من الحزبين داخل مجلس الشيوخ، كما حظيت بتأييد من نقابات بارزة مثل “تيمسترز”، بل وبتقدير سابق من اتحاد AFL-CIO بسبب مواقفها المؤيدة لبعض حقوق التنظيم النقابي.

 

لكن هذه الصورة تآكلت خلال وجودها في المنصب. فقد ربطت تقارير صحفية بين عهدها وبين تسريع أجندة إلغاء أو تعديل عشرات اللوائح المنظمة لسوق العمل، بما في ذلك قواعد تخص الحد الأدنى للأجور، وظروف السلامة المهنية، وبعض الحمايات الخاصة بالعاملين في قطاعات حساسة. وترى أسوشيتد برس وواشنطن بوست أن هذا التحول خلق فجوة متزايدة بينها وبين جزء من الحركة العمالية التي كانت قد رأت في تعيينها إشارة مختلفة داخل إدارة جمهورية محافظة.

 

كما أن توقيت الاستقالة يضاعف كلفتها السياسية على ترامب، لأنها تأتي ضمن سلسلة تغييرات وإقالات طالت أسماء وازنة في حكومته خلال فترة قصيرة. ووفق رويترز، فإن رحيلها يجعلها ثالث عضو يغادر الحكومة في الأسابيع الأخيرة، في وقت كانت فيه الإدارة تحاول الظهور بمظهر أكثر تماسكًا من الولاية الأولى لترامب. ولذلك لا تبدو القضية مجرد سقوط وزيرة تحت ضغط الفضائح، بل تكشف أيضًا هشاشة صورة الانضباط التي حاول البيت الأبيض تسويقها.

 

في المحصلة، تكشف استقالة لوري تشافيز-ديريمر كيف يمكن لتحقيق داخلي داخل وزارة فدرالية أن يتحول إلى أزمة سياسية كاملة عندما تتشابك اتهامات السلوك الشخصي مع إساءة استخدام السلطة وتدهور بيئة العمل. كما تؤكد أن الدعم الرئاسي وحده لا يكفي دائمًا لحماية المسؤولين عندما يصبح ثمن بقائهم أكبر من ثمن رحيلهم. وبينما يتولى كيث سونديرلينغ الوزارة بالإنابة، تبقى الأسئلة مفتوحة بشأن ما إذا كانت القضية ستتوقف عند حدود الاستقالة، أم أن نتائج التحقيق ستفتح الباب أمام تداعيات قانونية وإدارية أوسع داخل وزارة العمل الأمريكية.