في مشهد يعكس عمق المأساة الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة، لم يعد الخطر الذي يلاحق النازحين مقتصرًا على القصف أو الجوع أو العطش، بل امتد ليشمل تهديدًا خفيًا يزحف في الظلام.. القوارض، التي باتت تهاجم سكان الخيام وتنهش أجسادهم، في ظل ظروف بيئية وصحية توصف بالكارثية.

 

داخل خيمة مهترئة في مدينة غزة، تعيش انشراح حجاج، وهي مريضة سكري، حالة من الرعب المتواصل. تقول إن الليل لم يعد وقتًا للراحة، بل مصدر قلق دائم، حيث تتحول لحظات النوم إلى كابوس حقيقي مع تسلل الفئران إلى داخل الخيمة، تمشي فوق الأجساد وتعبث بالطعام والأغطية.

 

هذا الخطر، بالنسبة لانشراح، لا يقتصر على الإزعاج، بل يمثل تهديدًا مباشرًا لحياتها، إذ إن أي جرح بسيط قد يتطور سريعًا إلى مضاعفات خطيرة بسبب مرضها المزمن، وقد يصل الأمر إلى حد البتر.

 

قصة انشراح ليست حالة فردية، بل تعكس واقعًا مريرًا يتكرر يوميًا بين آلاف النازحين في القطاع، حيث تتزايد حالات الإصابة بعضّات القوارض بشكل ملحوظ، نتيجة تفاقم الأزمة البيئية الناتجة عن تراكم النفايات وانتشار المياه العادمة، في ظل عجز الجهات المختصة عن التعامل مع هذه الكارثة.

 

 

تصاعد مقلق للإصابات

 

مصادر طبية في قطاع غزة أكدت تسجيل عشرات الحالات خلال الفترة الأخيرة، شملت أطفالًا ونساءً وكبار سن، إضافة إلى مرضى يعانون من أمراض مزمنة، ما يجعلهم أكثر عرضة لمضاعفات خطيرة.

 

وبحسب هذه المصادر، فإن الإصابات الناتجة عن عضّات القوارض تسببت في التهابات حادة، فيما لم تُستبعد احتمالات حدوث تشوهات دائمة أو بتر أطراف في بعض الحالات المتقدمة، خاصة في ظل ضعف الإمكانيات الطبية.

 

تحذيرات رسمية ودولية جاءت لتدق ناقوس الخطر، حيث أشار مسؤولون صحيون إلى أن انتشار القوارض بات مؤشرًا خطيرًا على تدهور الوضع البيئي، ما قد يفتح الباب أمام تفشي أوبئة وأمراض معدية يصعب السيطرة عليها.

 

بيئة ملوثة.. وبؤر مفتوحة للأمراض

 

الواقع البيئي في غزة بلغ مرحلة غير مسبوقة من التدهور، وفق ما يؤكده مسؤولون في البلديات، الذين يعزون انتشار القوارض إلى عدة عوامل متراكمة، أبرزها تراكم مئات آلاف الأطنان من النفايات، وانتشار مياه الصرف الصحي، إضافة إلى الدمار الواسع في البنية التحتية وتكدس الركام.

 

وتشير التقديرات إلى وجود نحو 350 ألف طن من النفايات المتراكمة، في ظل عجز طواقم البلديات عن الوصول إلى المكبات أو تشغيل آلياتها بسبب نقص الوقود وتدمير المعدات، فضلًا عن القيود المفروضة على إدخال المستلزمات الأساسية، بما في ذلك المبيدات.

 

هذه الظروف خلقت بيئة مثالية لتكاثر القوارض والحشرات، التي تحولت إلى ناقل مباشر للأمراض، في وقت تغيب فيه وسائل المكافحة والسيطرة.

 

 

معاناة يومية تتفاقم

 

باسل الدحنون، أحد النازحين، يروي تجربة صادمة حين تعرض لعضة فأر أثناء نومه دون أن يشعر، نتيجة فقدان الإحساس بسبب مرضه. استيقظ ليجد قدمه تنزف، ليبدأ بعدها رحلة علاج طويلة خوفًا من تدهور حالته.

 

ويؤكد أن الحياة داخل المخيمات باتت محفوفة بالمخاطر، في ظل انتشار النفايات ومياه الصرف الصحي، وغياب أبسط مقومات النظافة، ما يضاعف احتمالات الإصابة، خصوصًا بين الفئات الأكثر هشاشة.

 

نظام صحي على حافة الانهيار

 

في موازاة ذلك، يواجه القطاع الصحي تحديات غير مسبوقة، حيث تعاني المستشفيات من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، ما يحد من قدرتها على التعامل مع الحالات المتزايدة.

 

أطباء في مجمع الشفاء الطبي حذروا من خطورة عضّات القوارض، التي قد تنقل أمراضًا مثل “حمى عضة الفأر” أو تتسبب في التهابات بكتيرية حادة، تستدعي أحيانًا دخول المرضى إلى وحدات العناية المركزة.

 

وتشير بيانات وزارة الصحة إلى عجز دوائي يصل إلى نحو 50%، ونقص كبير في المستهلكات الطبية ومواد الفحوص، ما ينذر بعجز شبه كامل في الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

 

أزمة مستمرة رغم وقف إطلاق النار

 

ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، فإن الأوضاع الإنسانية لا تزال متدهورة، في ظل استمرار القيود على إدخال المساعدات والوقود والمعدات، ما يعيق تشغيل المرافق الحيوية ويزيد من تفاقم الأزمة.

 

ويعيش في القطاع نحو 2.4 مليون نسمة، بينهم أكثر من 1.4 مليون نازح، في ظروف إنسانية بالغة القسوة، مع تدمير واسع للبنية التحتية يقدر بنحو 90%.