سجلت مصر تراجعا لافتا في عدد المواليد خلال عام 2024، بعدما هبط الرقم الرسمي إلى أقل من مليوني مولود للمرة الأولى منذ عام 2007، وفق البيانات التي عرضتها نائبة وزير الصحة والسكان عبلة الألفي في أبريل 2026، بينما كانت بيانات سابقة متداولة عن عام 2024 تشير إلى 1.998 مليون مولود بانخفاض قدره 77 ألفا عن العام السابق.
هذا التحول لم يأت من فراغ، لأن المشهد الاقتصادي نفسه تبدل بعنف خلال السنوات الأخيرة، مع صعود أسعار الغذاء والسكن والعلاج والتعليم والنقل، وتآكل الأجور الحقيقية، وتراجع قدرة الأسر على تأمين الحد الأدنى من الاستقرار. لذلك لم يعد قرار الإنجاب في مصر مرتبطا فقط بالرغبة الأسرية أو بالتصورات الاجتماعية القديمة، بل صار قرارا محكوما بحسابات الخوف من الكلفة، والخشية من المستقبل، والعجز عن الوفاء بالتزامات الحياة اليومية في بلد تواصل فيه الحكومة تحميل المواطنين فاتورة أزماتها الاقتصادية.
تقول الحكومة إن انخفاض معدلات الإنجاب يعكس نجاحا في إدارة الملف السكاني، وتربط هذا التراجع بخطط تنظيم الأسرة والاستراتيجية الوطنية للسكان والتنمية 2023-2030 والخطة العاجلة 2025-2027، لكن هذا الخطاب الرسمي يتعمد القفز فوق السؤال الأهم وهو لماذا يتراجع الإنجاب فعليا الآن؟
فحين تتراجع الدخول، وترتفع كلفة الزواج، وتتقلص فرص العمل، وتصبح المدرسة والعيادة والدواء عبئا ثقيلا، فإن الأسر لا تتجه إلى تقليص الإنجاب اقتناعا بخطاب حكومي، بل اضطرارا تحت ضغط السوق والديون والغلاء. هنا يصبح تراجع المواليد مؤشرا اجتماعيا على انكماش القدرة المعيشية أكثر من كونه شهادة نجاح سياسي. ولهذا تبدو محاولة السلطة تسويق الأرقام باعتبارها إنجازا مستقلا عن سياق الإفقار محاولة مكشوفة، لأن الوقائع نفسها تقول إن الأزمة الاقتصادية صارت شريكا مباشرا في إعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية في مصر.
الأرقام الرسمية تكشف التراجع والحكومة تستثمره سياسيا
وبحسب البيانات التي عرضتها عبلة الألفي خلال اجتماعات لجنة السكان والتنمية بالأمم المتحدة في نيويورك في أبريل 2026، فإن عدد المواليد السنوي انخفض في 2024 إلى أقل من مليوني مولود لأول مرة منذ 2007، بينما تراجع معدل الإنجاب الكلي خلال العقد الماضي من 3.5 إلى 2.4 طفل لكل سيدة.
كما قالت عبلة الألفي إن الاستراتيجية الوطنية للسكان والتنمية 2023-2030 والخطة العاجلة 2025-2027 تستهدفان الوصول بمعدل الإنجاب الكلي إلى 2.1 طفل لكل سيدة، مع ربط حجم السكان بجودة الحياة، وهو خطاب تستخدمه الحكومة لتقديم التراجع السكاني باعتباره ثمرة تخطيط منضبط لا نتيجة اختناق معيشي واسع.
لكن الحكومة نفسها تكشف تناقض روايتها حين تواصل الحديث عن الفقر وجودة الحياة في الوقت الذي تترك فيه كلفة المعيشة تتصاعد على نحو يدفع الأسر دفعا إلى تقليص الإنجاب. فالدولة لا تعرض فقط هدفا سكانيا، بل تعرض أيضا واقعا اقتصاديا يجعل هذا الهدف قابلا للتحقق قسرا لا اختيارا.
الغلاء يعيد تشكيل قرار الأسرة من الزواج إلى الإنجاب
وفي هذا السياق، ربط خبير السكان ودراسات الهجرة أيمن زهري تراجع المواليد بالأزمة الاقتصادية، موضحا أن معدلات الزواج السنوية انخفضت بنحو 10 بالمئة بعد أن كانت تقترب من مليون زيجة سنويا، وهو ما انعكس مباشرة على عدد المواليد، لأن الضغوط المعيشية دفعت المواطنين إلى اعتبار الإنجاب عبئا كبيرا.
ثم إن تراجع الزواج لم يكن العامل الوحيد في هذا المسار، لأن أيمن زهري أشار أيضا إلى ارتفاع حالات الطلاق خلال السنوات العشر الماضية، بما عمق الاضطراب داخل البنية الأسرية نفسها. وعندما تتآكل الأسرة قبل أن تستقر، يصبح تأجيل الإنجاب أو تقليصه نتيجة متوقعة لمسار اقتصادي واجتماعي مضطرب.
ومن ثم لا يبدو انخفاض المواليد في مصر خبرا منفصلا عن موجة الغلاء، بل يبدو جزءا مباشرا من آثارها. فالأسر التي تواجه أسعارا أعلى للغذاء والعلاج والتعليم والسكن لا تعيد ترتيب أولوياتها من باب الرفاه، بل من باب النجاة، وهو ما يضع الحكومة أمام مسؤولية سياسية لا دعاية رقمية.
تحسن المؤشرات الصحية لا يمحو أثر الإفقار الواسع
وفي المقابل، عرضت عبلة الألفي مؤشرات صحية قالت إنها تعكس تقدما موازيا، بينها ارتفاع نسبة الولادات التي تتم تحت إشراف كوادر صحية ماهرة إلى 97 بالمئة في 2024، وانخفاض وفيات الأمهات إلى 37.5 حالة لكل 100 ألف مولود حي، إلى جانب زيادة فترات المباعدة بين الولادات من 3 إلى 5 سنوات.
غير أن الخبير السكاني عاطف الشيتاني دعا إلى وضع أي رقم جديد في سياقه الزمني الصحيح، مؤكدا أن تقييم عدد المواليد لا يستقيم من دون مقارنة تاريخية دقيقة، ومذكرا بأن القضية السكانية لا تتعلق فقط بعدد المواليد، بل أيضا بإنتاجية الفرد، وهو تنبيه يفضح ضيق الرواية الحكومية التي تختزل المسألة في رقم الإنجاب وحده.
وأخيرا، فإن تراجع المواليد قد يمنح الحكومة مادة دعائية جاهزة، لكنه لا يلغي الحقيقة الأوضح وهي أن الغلاء صار لاعبا أساسيا في قرار الأسرة المصرية. لذلك لا يقرأ هذا التراجع بوصفه انتصارا إداريا خالصا، بل بوصفه سجلا إضافيا على أن الأزمة الاقتصادية وصلت إلى أدق القرارات الخاصة داخل البيوت.
هكذا تكشف الأرقام الرسمية أن مصر دخلت مرحلة ديموغرافية جديدة، لكن هذه المرحلة لا يمكن فصلها عن سياسات أفقرت المواطنين ودفعتهم إلى تقليص أحلامهم قبل أن تقلص عدد أطفالهم. لذلك فإن أي قراءة توثيقية منضبطة لهذا الملف تبدأ من رقم المواليد، لكنها تنتهي عند مسؤولية حكومة حولت الإنجاب نفسه إلى قرار مؤجل تحت ضغط الغلاء.

