بدأ رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الأربعاء 15 أبريل 2026، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا، في تحرك دبلوماسي يضع إسلام آباد مجددًا في قلب الاتصالات الإقليمية المرتبطة بالمفاوضات الأمريكية الإيرانية، بعد أيام من استضافة باكستان جولة أولى لم تحقق اختراقًا حاسمًا، لكنها أبقت باب التفاوض مفتوحًا أمام محاولة ثانية خلال وقت قريب. وتأتي الجولة في لحظة شديدة الحساسية، لأن المنطقة لا تتحرك فقط على خط الوساطة السياسية، بل أيضًا على خط إعادة ترتيب التوازنات الأمنية بعد الحرب الأخيرة، وما خلّفته من أسئلة حول مستقبل الردع في الخليج، وحدود الاعتماد على المظلة الأمريكية، وإمكانية دخول أطراف إقليمية أخرى لملء أي فراغ أو دعم أي ارتباك في المشهد القائم.

 

ويكتسب التحرك الباكستاني أهمية إضافية لأن جولته الحالية جاءت بعد وصول طائرات مقاتلة وقوات باكستانية إلى السعودية في 11 أبريل 2026 تحت مظلة اتفاق دفاعي بين البلدين، في خطوة قالت الرياض إنها تستهدف تعزيز الجاهزية والعمل المشترك ودعم الأمن الإقليمي والدولي، بينما شددت إسلام آباد عبر مسؤولين على أن هذا الانتشار ليس موجهًا للهجوم على أحد. وبين الدبلوماسية والانتشار العسكري، تبدو باكستان كأنها تتحرك على مسارين متوازيين في وقت واحد: مسار يريد إبقاء خيط التفاوض قائمًا بين واشنطن وطهران، ومسار يريد تأكيد الالتزامات الأمنية مع الرياض في لحظة يتزايد فيها القلق الخليجي من اتساع الحرب أو عودة التصعيد.

 

زيارة سياسية فوق أرضية أمنية متحركة

 

تبدأ الجولة الباكستانية رسميًا من 15 إلى 18 أبريل 2026، وتشمل السعودية وقطر وتركيا، وفق ما أعلنته إسلام آباد، في إطار محادثات عن التعاون الثنائي والسلام والأمن الإقليميين. لكن التوقيت وحده يكشف أن الزيارة ليست بروتوكولية، لأن الإعلان عنها جاء مباشرة بعد تعثر الجولة الأولى من المحادثات الأمريكية الإيرانية في إسلام آباد، ومع تزايد المؤشرات على أن باكستان ما زالت تبذل جهدًا لإحياء التفاوض قبل انهيار فرصة التهدئة بالكامل.

 

وبسبب هذا التزامن، يصعب فصل الجولة عن المسار التفاوضي نفسه، خاصة بعد تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في 14 أبريل 2026 بأن استئناف المحادثات يبدو مرجحًا بدرجة عالية، وبعد حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن احتمال استئنافها في باكستان خلال يومين. وهذه الإشارات لا تعني أن الاتفاق بات قريبًا، لكنها تؤكد أن إسلام آباد لا تزال مقبولة بوصفها منصة اتصالات، وأنها تحاول استثمار هذا القبول في تحرك أوسع يشمل العواصم الثلاث التي تحتفظ بعلاقات وتأثير مباشر في ملف الحرب والتهدئة.

 

ومن هنا، تبدو السعودية المحطة الأثقل في الجولة، ليس فقط بسبب ثقلها السياسي والاقتصادي، بل لأن العلاقة الباكستانية السعودية دخلت خلال الأشهر الماضية طورًا أكثر حساسية، مع تعميق التعاون الدفاعي وتوسيع التشاور حول أمن الخليج. كما تبدو قطر محطة ضرورية لأن الدوحة ما زالت تمتلك قنوات اتصال وخبرة تراكمية في الوساطات الإقليمية، بينما تبرز تركيا كشريك يتقدم في النقاشات الإقليمية الخاصة بوقف إطلاق النار ومضيق هرمز وإعادة فتح مسار التفاوض.

 

وفي هذا السياق، لا تتحرك باكستان باعتبارها وسيطًا مجردًا من المصالح، بل باعتبارها دولة تسعى إلى تثبيت وزنها الإقليمي في لحظة مضطربة. ولهذا فإن الجولة تحمل رسالة مزدوجة: أولًا أن إسلام آباد لم تنسحب من دور الوساطة رغم تعثر الجولة الأولى، وثانيًا أنها تريد تنسيق المواقف مع عواصم إقليمية فاعلة حتى لا تظل مبادرتها معزولة أو رهينة لتقلبات الميدان وحده.

 

القوات الباكستانية في السعودية ورسالة الردع غير المعلنة

 

قبل الجولة بأيام، أعلنت السعودية وصول طائرات مقاتلة وقوات باكستانية إلى المملكة بموجب اتفاق دفاعي بين الطرفين، وقالت وزارة الدفاع السعودية إن الخطوة تندرج ضمن تعزيز التعاون الدفاعي المشترك ودعم الأمن والاستقرار. وقد حددت تقارير دولية أن الانتشار جرى في قاعدة الملك عبد العزيز الجوية شرقي المملكة، قرب الخليج، وهو ما أعطى الخطوة معنى أمنيًا مباشرًا يتجاوز أي طابع رمزي بسيط.

 

وتزداد أهمية هذا الانتشار لأن تقارير رويترز ربطته مباشرة بالاتفاق الدفاعي بين البلدين، كما ربطته أيضًا بالمناخ الإقليمي الذي أعقب الهجمات الإيرانية على أهداف سعودية وخليجية خلال الحرب الأخيرة. وبينما قال مسؤول باكستاني إن القوات ليست ذاهبة لمهاجمة أحد، فإن مجرد وصولها في هذا التوقيت يرسل إشارة واضحة إلى أن الرياض لا تريد أن تظهر وحيدة في لحظة إعادة اختبار الضمانات الأمنية في الخليج.

 

كما أن الوجود العسكري الباكستاني يعيد فتح النقاش حول ما إذا كانت السعودية تتحرك فقط لتعزيز الحماية الجوية، أم أنها تريد أيضًا استخدام الورقة الباكستانية لتوسيع هامشها السياسي أمام واشنطن. فالتقارير المتواترة عن سعي دول إقليمية إلى استئناف المحادثات واحتواء الحرب، تقترن في الوقت نفسه بقلق خليجي من أن القرارات الأمريكية الكبرى لا تراعي بالقدر الكافي حجم الأضرار التي تتحملها دول الجوار. ومن هذه الزاوية، يبدو الحضور الباكستاني أداة ردع ورسالة سياسية معًا.

 

ثم إن هذا التطور لا ينفصل عن البعد الاقتصادي في العلاقة بين البلدين، إذ أعلنت رويترز في 15 أبريل 2026 أن السعودية قدمت دعمًا ماليًا إضافيًا لباكستان بقيمة 3 مليارات دولار لمساعدتها على مواجهة استحقاقات ديون خارجية وضغوط على الاحتياطي الأجنبي. ويعني ذلك أن التعاون الأمني لا يتحرك بمعزل عن شبكة دعم اقتصادي أوسع، وأن باكستان تعرف أن تثبيت موقعها الخليجي يمر أيضًا عبر بوابة التمويل والاستقرار المالي الداخلي.

 

وساطة محفوفة بالتناقض بين الحياد والتحالف

 

المعضلة الأكبر أمام إسلام آباد لا تتعلق بقدرتها على السفر بين العواصم أو استضافة الجلسات، بل بقدرتها على إقناع جميع الأطراف بأنها ما زالت وسيطًا مقبولًا رغم تحركها العسكري إلى جانب السعودية. فكلما تعمق التعاون الدفاعي بين باكستان والرياض، زادت الأسئلة الإيرانية المحتملة عن حدود حياد الوسيط، خاصة إذا ارتبط هذا الوجود العسكري بأي حادث ميداني أو تصعيد جديد في الخليج.

 

وتبرز هذه الحساسية بوضوح في تقديرات بعض المتابعين الغربيين، الذين حذروا من أن أي استهداف إيراني غير مباشر يؤدي إلى سقوط قتلى من القوات الباكستانية قد يفتح باب توتر جديد بين طهران وإسلام آباد، وهو احتمال أكثر خطورة لأن البلدين يشتركان في حدود مباشرة، بخلاف قوى أخرى منخرطة في الترتيبات الأمنية نفسها. ولذلك فإن الهامش الذي تتحرك فيه باكستان يبدو أضيق مما توحي به كثافة اتصالاتها السياسية.

 

ومع ذلك، ما زالت لدى باكستان أوراق تجعلها قادرة على الاستمرار في هذا الدور، منها أنها استضافت فعلًا الجولة الأولى، ومنها أن الأمم المتحدة أشادت بجهدها في تسهيل السلام، ومنها أيضًا أن استئناف المحادثات ما زال مطروحًا على الطاولة. كما أن تحركها نحو قطر وتركيا إلى جانب السعودية يوحي بأنها تريد توزيع شبكة المشاورات، حتى لا تُقرأ وساطتها باعتبارها امتدادًا لموقف محور واحد فقط.

 

وفي النهاية، تكشف جولة شهباز شريف أن باكستان تحاول الإمساك بخيطين شديدي التوتر في آن واحد: خيط الوساطة بين واشنطن وطهران، وخيط الشراكة الدفاعية المتقدمة مع الرياض. وهذا التوازن قد يمنحها وزنًا سياسيًا أكبر إذا نجحت في دفع المفاوضات إلى جولة ثانية مؤثرة، لكنه قد يضاعف كذلك كلفة الفشل إذا عادت الحرب أو اهتز وقف النار الهش. لذلك لا تبدو الزيارة مجرد جولة علاقات عامة، بل اختبارًا فعليًا لقدرة إسلام آباد على الجمع بين دور الوسيط ودور الحليف من دون أن تخسر أحد الموقعين.