دخل التصعيد الإسرائيلي في لبنان، بعد غارات 8 أبريل 2026، مرحلة أكثر خطورة؛ إذ أعلنت وزارة الخارجية اللبنانية التوجّه إلى مجلس الأمن الدولي بشكوى رسمية، معتبرة أن الضربات تمثل انتهاكًا للقانون الدولي.

 

وتزامن ذلك مع إعلان الجيش الإسرائيلي استهداف أكثر من 200 موقع لحزب الله خلال 24 ساعة، فيما وثّقت تقارير أممية وحقوقية سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين واتساع نطاق الدمار، الأمر الذي أعاد طرح سؤالين مركزيين: هل ما يجري مجرد جولة عسكرية جديدة، أم أنه ضغط بالنار لإعادة تشكيل التوازن السياسي والأمني داخل لبنان؟

 

منطق التصعيد الإسرائيلي.. ضغط عسكري يتجاوز الجنوب

 

تشير المعطيات الميدانية إلى أن غارات 8 أبريل لم تكن محدودة أو تكتيكية، بل جاءت ضمن أوسع موجة قصف على لبنان منذ بداية الجولة الحالية من الحرب. تقارير صحفية دولية تحدثت عن مئات القتلى والجرحى في ذلك اليوم، فيما قالت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إن حجم القتل والدمار كان “مروعًا”، وهو توصيف يعكس أن المسألة لم تعد محصورة باستهداف بنية عسكرية، بل باتت تمس البيئة المدنية والبنية الأساسية أيضًا. كما أفادت هيومن رايتس ووتش بأن الغارات ألحقت أضرارًا حيوية، بينها جسر رئيسي يربط الجنوب بباقي البلاد، ما يعمّق البعد الإنساني للأزمة.

 

وفي هذا السياق، يرى نيكولاس بلانفورد، الباحث في المجلس الأطلسي والمتخصص في شؤون حزب الله ولبنان، أن المواجهة الحالية اكتسبت لدى الحزب طابع “الحرب الأخيرة”، بما يعني استعدادًا لمعركة طويلة ومؤلمة، بينما أظهرت الحكومة اللبنانية غضبًا واضحًا من جرّ البلاد إلى صراع “ليس من اختيارها”. أهمية هذا التقدير أنه يربط بين شدة الضربات الإسرائيلية وبين قناعة متزايدة لدى الطرفين بأن الصراع لم يعد مجرد رسائل ردع متبادلة، بل صراع على قواعد اللعبة نفسها.

 

الدولة اللبنانية بين الشكوى الدولية وحدود القدرة الداخلية

 

قرار بيروت اللجوء إلى مجلس الأمن يحمل دلالة سياسية وقانونية مهمة؛ فهو محاولة لنقل المعركة من المجال العسكري إلى المجال الدبلوماسي، وتثبيت رواية رسمية تقول إن لبنان يتعرض لاعتداء على سيادته، وليس فقط لتداعيات اشتباك مع حزب الله. لكن هذا المسار يصطدم بمعضلة بنيوية: قدرة الدولة اللبنانية على فرض احتكار القرار الأمني ما زالت محدودة، في وقت تستغل فيه إسرائيل هذا الضعف لتبرير استمرار عملياتها. كما أن التطورات اللاحقة أظهرت دخول لبنان وإسرائيل في أول محادثات مباشرة منذ عقود بوساطة أمريكية، مع بقاء الخلاف الأساسي حول أولوية وقف النار من جهة، ونزع سلاح حزب الله من جهة أخرى.

 

وتحذّر مهى يحيى، مديرة مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط، من أن الهجوم الإسرائيلي يدفع لبنان نحو حافة الانهيار، بينما يفاقم حزب الله الأزمة عبر ربط لبنان بمعركة إيران الأوسع، بما يضعف قدرة الحكومة على التفاوض على وقف فعلي للأعمال القتالية. ويتقاطع هذا مع تحليل ثاناسيس كامبانيس، مدير Century International، الذي يرى أن الحكومة اللبنانية عالقة في معادلة شبه مستحيلة: فهي لا تستطيع حماية لبنان من إسرائيل، ولا تستطيع في الوقت نفسه نزع سلاح حزب الله بالقوة أو بسرعة. هذان الرأيان يفسران لماذا تبدو الشكوى إلى مجلس الأمن ضرورية سياسيًا، لكنها غير كافية عمليًا ما لم تُترجم إلى ضغط دولي حقيقي.

 

الكلفة الإنسانية واحتمالات ما بعد التصعيد

 

على المستوى الإنساني، تتزايد الكلفة بوتيرة صادمة. تقارير حديثة أشارت إلى تجاوز عدد القتلى في لبنان 2100 خلال أسابيع قليلة، مع أكثر من مليون نازح، بينما وثّقت وسائل إعلام دولية مقتل أطفال ومدنيين في مناطق بعيدة نسبيًا عن خطوط الاشتباك التقليدية. هذا الاتساع في رقعة الضربات يهدد بتحويل الجنوب والضاحية ومناطق أخرى إلى مسرح استنزاف مفتوح، ويضع المؤسسات الصحية والإغاثية اللبنانية تحت ضغط هائل.

 

هنا تبرز قراءة لينا الخطيب، الباحثة في تشاتام هاوس، التي ترى أن حزب الله، رغم خطابه التصعيدي، يعطي أولوية لبقائه أكثر من تحقيق نصر حاسم، لأن الحرب الشاملة تستنزف حاضنته وتضعف قدرته على حماية المدنيين أو تعويضهم كما فعل بعد 2006. هذا التقدير مهم لأنه يوحي بأن استمرار الضربات الإسرائيلية قد يراكم ضغطًا اجتماعيًا وسياسيًا داخليًا على الحزب، لكنه لا يضمن تلقائيًا نهاية المواجهة، بل قد يدفع إلى حرب استنزاف أطول وأكثر تدميرًا.

 

خلاصة المشهد أن لبنان يتحرك الآن على مسارين متوازيين: مسار نار يتسع ميدانيًا، ومسار دبلوماسي يحاول كبح الانهيار. غير أن نجاح الشكوى اللبنانية في مجلس الأمن، أو أي تفاوض لاحق، سيظل مرهونًا بثلاثة شروط: وقف استهداف المدنيين والبنية التحتية، ضغط دولي فعلي على إسرائيل وحزب الله معًا، وتقوية مؤسسات الدولة اللبنانية لتصبح المرجعية الوحيدة في قرار السلم والحرب. وحتى يتحقق ذلك، سيبقى لبنان يدفع ثمن صراع يتجاوز حدوده الوطنية بكثير.