أثار قرار حكومة مصطفى مدبولي بإعادة تخصيص مساحات من الأراضي التابعة لوزارة الزراعة في الجيزة لصالح جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة موجة غضب داخل الأوساط البحثية والزراعية، بعدما شمل القرار 5 قطع أرض من ولاية مركز البحوث الزراعية بمساحات 13.26 فدان و26.94 فدان و25.84 فدان و1.45 فدان و2.06 فدان، إلى جانب 14.39 فدان من ولاية وزارة الموارد المائية والري، بما يرفع إجمالي المساحة المخصصة إلى 83.94 فدانًا.

 

وجاء هذا التحرك بينما كان المركز نفسه يواصل خلال يوليو 2025 توقيع برامج دعم وتحديث لبنية بحوث القمح والتقاوي، بما يعكس تناقضًا واضحًا بين خطاب رسمي يتحدث عن تعزيز الأمن الغذائي، وقرارات تنفيذية تنتزع أراضي مؤسسة بحثية يفترض أن تقوم عليها سياسات هذا الأمن.

 

وتصاعد الجدل بعد أن طرحت الدكتورة مي عزام، رئيس المجلس الثوري المصري، تساؤلًا علنيًا عبر حسابها على فيسبوك حول مصير أرض مركز البحوث الزراعية بالجيزة، وما إذا كانت ستنقل عمليًا إلى جهاز مستقبل مصر لاستغلالها في بناء أبراج وأنشطة استثمارية أخرى.

 

واتسع الاعتراض مع مداخلات عدد من المهتمين بالشأن الزراعي، وفي مقدمتهم الدكتور معاطي قشطة، الذي وصف ما يجري بأنه استيلاء على أرض ومنشآت ومعامل مركز البحوث الزراعية لصالح الاستخدام العقاري والمالي، مؤكدًا أن هذه الخطوة لا تمثل مجرد نقل إداري للأرض، بل تعني المساس المباشر ببنية البحث العلمي الزراعي في موقع تاريخي ظل لعقود مركزًا لتطوير التقاوي ورفع إنتاجية الفدان وتحديث أساليب الزراعة. كما يزداد الاعتراض حدة لأن المادة 23 من الدستور تلزم الدولة بتشجيع مؤسسات البحث العلمي ورعايتها، لا انتزاع أصولها.

 

قرار التخصيص ينقل أرضًا بحثية من المعامل إلى مسار الاستثمار

 

ثم جاء جوهر الاعتراض من طبيعة الأرض نفسها، لأن المساحات المنقولة ليست أرضًا هامشية أو فضاءً غير مستخدم، بل أراضٍ واقعة ضمن ولاية مركز البحوث الزراعية، وهو ما أثبته القرار الحكومي المنشور في 9 يوليو 2025 بالنص والأرقام. وعندما تنقل الدولة أرضًا من مؤسسة بحثية إلى جهاز تنفيذي ذي طابع تنموي واستثماري، فإنها لا تبدل الخريطة الإدارية فقط، بل تغير وظيفة الأرض من البحث والإنتاج المعرفي إلى التوظيف المالي المباشر.

 

كما زاد القلق لأن هذه الخطوة جاءت بعد أيام قليلة من إعلان تعاون دولي جديد مع مركز البحوث الزراعية لتحديث معامل جودة القمح ومراكز التربية ووحدات تجهيز التقاوي، وهو ما أكد رسميًا أن المركز يؤدي دورًا محوريًا في تحسين إنتاج الحبوب ودعم صغار ومتوسطي المزارعين. ولذلك بدا القرار الحكومي كأنه يسحب من المؤسسة نفسها جزءًا من المجال الذي يفترض أن تستند إليه عملية التطوير المعلنة.

 

كذلك يفسر هذا التناقض حجم الغضب الذي عبّر عنه الباحثون وأساتذة المركز، لأنهم لا ينظرون إلى هذه الأراضي بوصفها أصولًا قابلة للبيع أو النقل السريع، بل مختبرات حية تضم تجارب ممتدة عبر سنوات طويلة. وعندما تتعرض هذه المواقع للنقل أو التجريف أو تغيير الاستخدام، فإن الخسارة لا تقف عند قيمة الأرض السوقية، بل تمتد إلى توقف سلاسل بحثية متراكمة يصعب نقلها أو إعادة بنائها في موقع بديل بالسرعة نفسها.

 

الأرقام الزراعية نفسها تشرح لماذا يرفض الباحثون التفريط في الأرض

 

وبعد ذلك يصبح الاعتراض قائمًا على نتائج موثقة لا على شعارات عامة، لأن الأثر التاريخي للبحث الزراعي في مصر ظهر في رفع إنتاجية فدان القمح من مستويات متدنية قديمة إلى حدود 18 و20 أردبًا في تقديرات متداولة داخل الأوساط الزراعية، كما ظهر في تطوير أصناف أقصر عمرًا وأكثر كفاءة في استهلاك المياه. وقد أكد الدكتور محمود صقر، رئيس أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، أن الزيادة في إنتاجية القمح من 5 أردب إلى 20 أردبًا جاءت نتيجة مباشرة لسنوات من البحث العلمي واستنباط أصناف جديدة عالية الإنتاجية.

 

ثم يدعم الدكتور عبد المنعم البنا، وزير الزراعة الأسبق ورئيس مركز البحوث الزراعية الأسبق، هذا المعنى من زاوية أخرى، إذ قال في تصريحات سابقة إن المركز يعمل في ظروف بحثية صعبة بسبب انخفاض التمويل، وإن زيادة تمويل البحوث العلمية الزراعية ضرورة لتطوير القطاع والحد من الفجوة الغذائية. وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة لأن صاحبها تولى قيادة المؤسسة نفسها ويعرف قيمة المعامل والأراضي البحثية في إنتاج التقاوي وتحسين المحاصيل.

 

وفي السياق ذاته يبرز رأي الدكتور جمال صيام، أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة، الذي يربط الأمن الغذائي بزيادة الإنتاج المحلي وتقليل فجوة الاستيراد وتوسيع القاعدة الزراعية المنتجة. وعندما يشدد صيام على أن مصر تحتاج بصورة مستمرة إلى تحسين الإنتاج والبحث عن أسواق وإستراتيجيات تقلص الاعتماد على الخارج، فإن سحب أرض من مؤسسة بحثية زراعية في قلب الجيزة يبدو قرارًا يسير في الاتجاه المعاكس لجوهر ما يقتضيه الأمن الغذائي.

 

صدام دستوري وعلمي يضع الحكومة أمام مسؤولية مباشرة

 

وعلى هذا الأساس انتقل الاعتراض من المستوى المهني إلى المستوى الدستوري، لأن المادة 23 من الدستور المصري لا تكتفي بالحديث عن حرية البحث العلمي، بل تلزم الدولة بتشجيع مؤسساته ورعاية الباحثين وتخصيص إنفاق حكومي له. لذلك يرى معترضون أن إعادة تخصيص أراضي مركز البحوث الزراعية بهذه الصورة لا تنسجم مع نص دستوري يضع البحث العلمي ضمن أدوات السيادة الوطنية وبناء اقتصاد المعرفة، لا ضمن مخزون الأراضي القابلة للنقل كلما ارتفعت قيمتها الاستثمارية.

 

ومن هنا يكتسب كلام الدكتور معاطي قشطة وزنًا أكبر، لأنه لم يعترض على فقدان قطعة أرض معزولة، بل حذر من تدمير وإهانة البحث العلمي الزراعي علنًا، وذكّر بما حققه المركز في القمح والأرز والذرة وتطوير أساليب الزراعة وتوفير المياه. كما دعا إلى اللجوء للقضاء لوقف ما وصفه بالجريمة، انطلاقًا من أن قيمة الأرض إذا كانت ضخمة، فالأولى أن تعود لمصلحة المركز نفسه دعمًا للبحوث لا أن تتحول إلى بوابة لمزيد من تجريف دوره.

 

وأخيرًا يضيف الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية والأراضي بجامعة القاهرة، بعدًا لا يمكن تجاهله عندما يربط أي سياسة زراعية جادة بحماية الأرض وتحسين العائد والإنتاج المحلي. فقد حذر في تصريحات حديثة من غياب التخطيط الزراعي القومي وتراجع الحماية الحقيقية للقطاع الزراعي، بينما شدد في مداخلات أخرى على أهمية زراعة المحاصيل الأساسية محليًا وتقوية قاعدة الاكتفاء. ولذلك فإن نقل أراضٍ بحثية عالية القيمة من مؤسسة علمية إلى جهة أخرى يرسل إشارة سياسية واضحة بأن الأولوية انتقلت من بناء المعرفة الزراعية إلى توسيع التصرف التنفيذي في الأصول.

 

وفي المحصلة النهائية لا يبدو الجدل الدائر حول أرض مركز البحوث الزراعية بالجيزة مجرد خلاف إداري على 83.94 فدانًا، بل مواجهة مكشوفة بين منطق يعتبر البحث العلمي أصلًا سياديًا يجب تحصينه، ومنطق آخر يتعامل مع الأرض عالية القيمة بوصفها موردًا قابلًا لإعادة التوجيه مهما كانت الخسائر المؤسسية المترتبة. لذلك فإن القضية تجاوزت بالفعل حدود المركز إلى سؤال أوسع عن معنى الأمن الغذائي في مصر، وعن موقع العلماء والباحثين داخل دولة تقول إنها تحارب فجوة الاستيراد، ثم تنتزع من مؤسساتها البحثية الأرض التي صنعت عبر عقود جزءًا معتبرًا من القدرة على مقاومة هذه الفجوة.