تقول د. غزالة الحجار إن المجتمعات في أوقات الحروب والاضطرابات تمر بحالات واسعة من الخوف والقلق والتوتر، ويبحث الإنسان خلالها عن مصدر ثابت يعيد إلى قلبه السكينة ويمنحه قدرة على الاحتمال والثبات. وفي هذا السياق تتوقف د. غزالة الحجار عند عدد من الآيات القرآنية التي تكرر فيها التعبيران «وكفى بالله» و«وكفى بربك»، بوصفهما من المعاني التربوية العميقة التي تؤسس للتوكل واليقين والاطمئنان.
وتعرض الكاتبة هذه الآيات في ضوء تفسيرين بارزين هما «في ظلال القرآن» لسيد قطب رحمه الله و«تيسير الكريم الرحمن» لعبد الرحمن السعدي رحمه الله، مع ربط دلالاتها بواقع الإنسان المعاصر في أوقات الأزمات. ومن خلال هذا المسار تؤكد الدراسة أن القرآن لا يعالج الجانب الإيماني فقط، بل يقدم أيضًا بناءً نفسيًا متكاملًا يخفف القلق ويثبت القلب أمام الخوف والاضطراب.
التوكل على الله وبداية الطمأنينة
تبدأ الدراسة من قوله تعالى في سورة النساء وقوله تعالى في سورة الأحزاب «وكفى بالله وكيلا»، لتبين أن التوكل ليس معنى وعظيًا مجردًا، بل أصل من أصول الطمأنينة النفسية. وتنقل الكاتبة عن الإمام السعدي رحمه الله أن الله كاف لعباده المتوكلين عليه، القائم بمصالحهم، المتولي لتدبير شؤونهم.
وفي المعنى نفسه تشير إلى ما أورده سيد قطب رحمه الله في «في ظلال القرآن» من أن هذه الآيات تغرس في القلب حقيقة أن الأمر كله لله، وأن الاعتماد الصادق لا يكون إلا عليه. ومن هنا يصبح التوكل في أوقات الحروب والأزمات بابًا عمليًا لحفظ النفس من الانهيار أمام ما تعجز عن دفعه أو التحكم فيه.
كما تربط الكاتبة هذا المعنى بما ذكره أبو زيد البلخي رحمه الله في «مصالح الأبدان والأنفس»، حين أشار إلى أن الإيمان بأن تدبير الأمور بيد الله يخفف القلق والخوف من المستقبل، وهو ما يجعل التوكل معنى إيمانيًا وآلية نفسية في آن واحد.
شهادة الله وعدله ونصره وسط الفتن
ثم تنتقل الدراسة إلى آيات «وكفى بالله شهيدا» في سورتي النساء والفتح، لتؤكد أن المؤمن حين تختلط عليه الوقائع أو تتزاحم الروايات أو تشتد الفتن، يثبت قلبه حين يعلم أن الله شاهد على الحق وعلى صدق رسوله وعلى أعمال عباده. وتنقل عن السعدي رحمه الله أن الله كاف في الشهادة، وعن سيد قطب رحمه الله أن شهادة الله هي الشهادة العليا التي لا تحتاج إلى تصديق من البشر.
ومن هذا المعنى تنتقل الكاتبة إلى قوله تعالى «وكفى بالله حسيبا» لتبين أن الإيمان بالمحاسبة الإلهية يرد على شعور الإنسان بالقهر حين يرى الظلم ولا يملك دفعه. وتستشهد بما ذكره أبو حامد الغزالي رحمه الله في «إحياء علوم الدين» من أن الإيمان بعدل الله يخفف الاضطراب النفسي الناتج عن مشاهدة الظلم في العالم.
ثم تضع هذا كله في سياق قوله تعالى «وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا»، فتؤكد أن ولاية الله ونصره يمنحان المؤمن شعورًا بالأمان في مواجهة الخوف. وفي هذا الموضع تنقل عن السعدي رحمه الله أن الله كاف عباده في ولايته ونصرته، كما تورد معنى سيد قطب رحمه الله في أن قوة الله فوق كل قوة في الأرض.
وكفى بربك.. الطمأنينة الشاملة للهداية والحفظ
وفي القسم الأخير تتناول الدراسة الآيات التي ورد فيها التعبير «وكفى بربك» في سورتي الإسراء والفرقان، مثل «وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا» و«وكفى بربك وكيلا» و«وكفى بربك هاديا ونصيرا». وتوضح الكاتبة أن هذه الآيات تمنح المؤمن شعورًا شاملًا بالسكينة، لأنها تجمع بين علم الله وحفظه وهدايته ونصره.
وتنقل عن الإمام السعدي رحمه الله أن الله يكفي عباده هداية إلى الحق ونصرًا لمن تمسك به، كما تشير إلى ما أورده سيد قطب رحمه الله من أن هذه المعاني تؤسس طمأنينة عميقة في القلب، لأن المتولي للهداية والنصر هو الله نفسه، لا البشر ولا موازين القوة المتقلبة.
وبذلك تنتهي الدراسة إلى أن تكرار «وكفى بالله» و«وكفى بربك» ليس مجرد تكرار لفظي في القرآن الكريم، بل هو تأسيس تربوي وإيماني ونفسي متكامل. فحين يوقن المؤمن أن الله وكيل وشهيد وحسيب وولي ونصير وهاد، فإنه يجد في هذا اليقين ما يخفف خوفه، ويهذب قلقه، ويمنحه الثبات في مواجهة الحروب والأزمات وتقلبات الحياة.

