مازن النجار
باحث في التاريخ والاجتماع
بعد أيام من دخول حرب أوكرانيا عامها الخامس، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات جوية مكثفة على إيران تدشينا للحرب الدائرة الآن. وبينما انشغل الخبراء بتشخيص طبيعة الصراع وأهداف أطرافه ومآلاته، نظر بعضهم في إستراتيجيات الأطراف المتصارعة وأنماط الحرب وتعريف الانتصار والخسارة لدى أطرافها.
فقد لوحظ أن إيران، أقامت منذ عقود نظاما دفاعيا لامركزيا لامتناظرا لمنع الانهيار السريع وفرض حرب مكلفة وطويلة على أعدائها، والاحتفاظ بقدرة مستمرة على الرد تتجاوز الضربة الانتقامية، وتحديد زمن وطريقة انتهاء الحرب. يتضافر هذا النظام الدفاعي "الموزاييك" مع إستراتيجية تعطيل النظام الإقليمي والدولي الذي يمثل أساسا بنيويا مساندا لخصومها وإحباط أهدافهم.
حربان مختلفتان
لكن ما يميز المواجهة الراهنة بين الطرفين ليس نطاق العنف فحسب أو المخاطر الجيوسياسية؛ بل هو أمر أكثر مركزية وإرباكا: أن طرفي المعركة يخوضان نوعين مختلفين من الحروب.
فالولايات المتحدة منخرطة في "حرب تدمير العتاد" العسكري، إذ يتم تحديد الأهداف، وضربها، وتقييم الضربة، وتدمير منصات الإطلاق، واستهدف مصانع السلاح، وقتل القادة. ومقاييسها مألوفة: طلعات جوية مكثفة، تعطيل الإمكانات الدفاعية، خفض القدرات. فهي حرب أشياء مرئية، يمكن عدها وتتبعها وعرضها في لقاءات الإحاطة. إنها حرب تدمير العتاد والقدرات.
لكن طرف الصراع المقابل ينتهج أداء مختلفا، لا يبرز الفوز بمنافسة عسكرية تقليدية أو مضاهاة القوة النارية الأمريكية أو الهيمنة على ساحة المعركة تناظريا. بل يسعى لأمر آخر: تعطيل النظام الإقليمي والدولي الكامن وراء فرضيات الخصم ومنطلقاته ومعادلاته.
يقدر الأمريكي النجاح بمقاييس دالة في نوع مختلف من الحروب، يعتمد فيها النصر على استنزاف واضح لقدرات العدو التقليدية. هذا ما يقصده عالم السياسة بجامعة شيكاغو، روبرت بيب، بـ"مغالطة إحصاء القتلى" بحرب فيتنام. أبلغ القادة الأمريكيون حينها عن أعداد متزايدة من قتلى العدو، كأن تراكم جثث القتلى سيترجم بالنهاية نصرا إستراتيجيا لم يحدث!.. كانت فيتنام تخوض حربا أخرى، حيث الصمود والتجدد والإرادة أهم من خسائر المعارك.
ثمة احتمال بأن شيئا مشابها يتكرر حاليا. فعندما يشير قادة أمريكيون لتدمير منصات الصواريخ بنسبة 90%، وتدمير أجزاء كبيرة من البحرية الإيرانية، فهم ليسوا مخطئين دائما، فهي أهداف قابلة للقياس.
لكن الباحث الأيرلندي ديلان إيفانز يتساءل: هل تلك المقاييس والأهداف دقيقة في التقييم؟ هذه أمور بالغة الأهمية لو كان الصراع متناظرا وتقليديا بين دولتين تسعيان لهزيمة جيوش بعضهما بمعركة مفتوحة. أما إذا دار الصراع الفعلي حول فرض تكاليف على النظام العالمي- بتعطيل تدفقات الطاقة والأسمدة والهيليوم ورفع الأسعار وخنق الأسواق لتوليد ضغط سياسي- فهذه المعايير بلا دلالة كبيرة.
جدوى القوة
تكمن أهمية هذا التمييز في أنه يحدد جوهر الإستراتيجية ذاتها؛ فليست المسألة مجرد تطبيق فعال للقوة فحسب، بل من المهم أن يتماهى العمل العسكري مع غاية سياسية نهائية تستطيع القوة أن تحققها؛ وهو ما يسمى بتأثير أو "جدوى القوة"، كما وصفها الجنرال روبرت سميث ببراعة في كتاب بعنوان "جدوى القوة". حيث يتعلق الأمر بفهم طبيعة الصراع الدائر، وما يعد فيه فوزا، وما يحسب خسرانا.
وبحسب تفسير بيب، تخاطر أمريكا حاليا بامتلاك تكتيكات دون إستراتيجية، بما في ذلك "الصدمة والترويع". فهي بارعة في إصابة الأهداف، لكن ليس مؤكدا ارتباط الأهداف بتحقيق إنجاز سياسي.
بدورهما، يرى عالما السياسة جون ميرشايمر وبول غرينييه أن تشتت مركز ثقل قوة الخصم في المجتمع والجغرافيا، يفقِد القوة النارية الهائلة حسمها.
ففي فيتنام وأفغانستان، جعلت اللامركزية القدرة على البقاء قوة دافعة لمنع الانهيار. فمن ينجُ من الصدمة الأولى، يحدد المسار السياسي للحرب. في فيتنام، أصبح البقاء قوة سياسية دافعة. وفي أفغانستان، أدى الصمود بالنهاية لاستعادة السلطة.
بالنسبة للطرف الأضعف، ينبغي تحويل الصراع من صراع حاسم إلى صراع مطول، ومن صراع عسكري إلى صراع سياسي، ومن صراع استئصال إلى صراع استنزاف؛ في حين تفضل ثقافة أمريكا وإسرائيل الإستراتيجية الحملات السريعة الكثيفة، مما يشكل معضلة بنيوية. فكلما طالت الحرب، زادت المتغيرات المؤثرة: أسواق العالم، التصعيد الإقليمي، السياسة الداخلية، تماسك التحالفات.. وبدأت تؤثر فعلا في الصراع الدائر.
لكن هل تستطيع الجيوش المتقدمة تقنيا تحقيق نتائج حاسمة ضد خصم يرفض التمركز والمركزية؟ أثبتت فيتنام وأفغانستان عدم إمكانية ذلك.
يعتمد نجاح هذا الرهان على متغيرات لا تسيطر عليها أطراف الصراع بالكامل: ديناميات التصعيد، والتحالفات الإقليمية، والمرونة الاقتصادية، والإرادة السياسية. بنيويا، كان الدرس الأساسي من حروب أمريكا بالقرنين الحالي والماضي: إن أخطر عدو ليس من ينتصر في المعركة الأولى، بل من ينجو منها.
توظيف القوة
على هذه الخلفية، تجدد الباحثة النرويجية والدبلوماسية السابقة جو إنجي بيكيفولد، النظر في النقاشات القديمة حول كيفية توظيف القوة العسكرية لتحقيق الأهداف الإستراتيجية؛ وقياس القوة العسكرية والحكم عليها بدقة؛ والعوامل الأخرى غير القوة العسكرية المؤثرة في نتيجة الحرب.
لذلك، يعد كتاب فيليبس بايسون أوبراين، الصادر في أكتوبر 2025، مساهمة قيمة في هذا النقاش. في كتابه "الحرب والقوة: من ينتصر في الحروب- ولماذا؟"، يذكر أوبراين، أستاذ الدراسات الإستراتيجية بجامعة سانت أندروز الأسكتلندية، أن نتيجة الحرب قد تتأثر بالفعل بعوامل تتجاوز الأسلحة والقوة الجوية وعدد الجنود. ويرى أن اتباع نهج أشمل لقياس القوة العسكرية يحسن فهم من ينتصر في الحروب ولماذا، بل ويردع الدول عن خوض الحروب.
نشر الكتاب قبل الحرب الأخيرة على إيران، لكن نظرا لموقف أوبراين حول محاولات أمريكا تغيير النظام بالعراق، وأفغانستان، فالمرجح أنه كان سينصح واشنطن بعدم الإقدام على ذلك بإيران. ويختتم الكتاب بتحذير شديد اللهجة لبكين، وواشنطن من إشعال حرب كارثية مبنية على مفاهيم خاطئة حول قدراتهما العسكرية.
موضوع الحرب والقوة له عدة جوانب رئيسة
ينتقد أوبراين عجز الحكومات والاستخبارات والأوساط الأكاديمية عن تقييم القوة العسكرية والتنبؤ بنتائج الحرب. ونظرا لتعقيد العوامل المؤثرة، نادرا ما تسير الحروب وفقا للخطة الموضوعة، وتنحرف غالبا عن مسارها، وتستمر لفترة أطول بكثير مما يتوقعه المعتدي.
فإحدى مشكلات تحليل الحرب الأساسية الميل للتركيز على المعارك، بينما تكشف الحروب سياقا أوسع وأعقد كثيرا من معارك منفردة أو حملات قصف جوي.
وهذا ليس جديدا. فقد صرح القائد العسكري "البروسي"، هيلموت فون مولتكه، بثمانينيات القرن التاسع عشر: "لا خطة تصمد أمام أول مواجهة مع العدو".
فمن المسلمات الراسخة أن الإستراتيجية العسكرية الأوروبية تحولت من التركيز على المعارك إلى رؤية أشمل خلال حروب نابليون. بينما في الصين، يتجلى فهم إستراتيجي واسع للحرب في نصوص كلاسيكية كتبت منذ 2500 عام. تظهر حروب بوتين وترمب بوضوح، حاجة المخططين العسكريين وصناع القرار لتذكير مستمر بتعقيد الحرب.
القوة الشاملة
يعتقد أوبراين أن خطورة فشل التحليل في التنبؤ بنتيجة الحرب تتفاقم بإغفال العوامل الاجتماعية والسياسية، كالنظام السياسي للدولة، وقيادتها، ونسيجها الاجتماعي، ورغبتها في القتال.
فالجيوش نتاج لقوة الدولة الكلية. والقوة العسكرية لا تتجاوز قوة الموارد الاقتصادية والتكنولوجية المتاحة، والقيادة السياسية والعسكرية التي توجهها، والمجتمع الأوسع الذي يخدمها. لكنه يقلق من استمرار إهمال أوساط المحللين لهذه المتغيرات عند تقييم القوة العسكرية.
يلوم أوبراين المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية- وهوسها بالقوة الصلبة والعوامل العسكرية- بشأن المنهجية المعيبة التي يتبعها المحللون والأكاديميون لقياس القوة العسكرية. وينتقد بشدة ميل الواقعية لاستخدام نظرية توازن القوى بطريقة حتمية.
ترى بيكيفولد أنه رغم عجز الاقتصار على تقييم القدرات المادية لقياس القوة العسكرية، فالأخطر بناء افتراضات حول القوة والحرب على عوامل غير مادية، أو نزوات القادة السياسيين.
فمن بين جميع العوامل التي تحدد قدرة الدولة على خوض الحرب، تعد القوة الصلبة أهمها مطلقا. وقد لا تكون كافية لكسب الحرب، لكن خوضها مستحيل بدونها.
بدوره، يؤكد أوبراين إخفاق الواقعية في تعريف القوة العظمى، ويطرح مفهوم "القوة الشاملة" بديلا. كما ينتقد محللين غربيين يصورون روسيا المعاصرة قوة عظمى، وأن أوكرانيا كان محكوما عليها بالفشل.
ويعد مصطلح "القوة الشاملة" مقياسا مفيدا لتحديد كامل نطاق قدرات الدولة العسكرية وغيرها، بدءا بأدوات الحرب الهجينة وصولا لمنصات تقليدية وغير تقليدية. لكن، بدل استحداث مفاهيم جديدة، فإنه عند البحث يستلزم توخي الدقة في استخدام مفاهيم راسخة كالقوة العظمى، والقوة الكبرى، وقوة الصف الثاني.
فيما يخص الحرب الراهنة، ينتقد أوبراين بشدة محاولات أمريكا الفاشلة والمتكررة لتغيير النظام الحاكم. ويرى غزو العراق عام 2003 كارثة إستراتيجية، إذ عمت الفوضى الإقليم، والعداء لأمريكا العالم الإسلامي.
يعتبر أوبراين الحرب التي استمرت عقدين وجهود تغيير النظام بأفغانستان فشلا ذريعا، فلم تصمد الحكومة التي أقامتها الولايات المتحدة ساعات بعد انسحاب القوات الأمريكية. ويظهر التاريخ صعوبة كسب قلوب وعقول شعب عبر غزوه عسكريا.
يميز أوبراين بين المعارك والحروب. فعلى نقيض حرب الاستنزاف الروسية في خنادق وبلدات أوكرانيا، يرجح أن يكون الصراع الأمريكي الصيني حربا بحرية محدودة، وأقرب لما يعتبر معركة.
يستخلص من تعقيدات الحرب ضرورة اعتماد صناع القرار على مصادر وخبراء متنوعين قبل اتخاذ قرار نهائي بخوض الحرب، ويثير أوبراين تساؤلات مقلقة حول ندرة ذلك. فنادرا ما يمتلك القادة معلومات كاملة. ويناقش بإسهاب عواقب تزويد القادة بالمعلومات التي يريدون سماعها فقط.

