في ذروة موجة غلاء جديدة تضرب المصريين، خرج البابا تواضروس مطالبًا الناس بالالتزام بتوجيهات الحكومة بشأن التقشف وترشيد استهلاك الطاقة والكهرباء والمياه. الدعوة لم تأت في فراغ اجتماعي أو اقتصادي، بل جاءت بعد قرارات حكومية متلاحقة رفعت كلفة المعيشة وضيقت على النشاط اليومي، من زيادة أسعار الوقود إلى الإغلاق المبكر للمحال وتقليل الإضاءة العامة.

 

الرسالة التي صدرت من رأس الكنيسة بدت سياسية بقدر ما كانت دينية، لأن الدولة دفعت في الأسبوعين السابقين إلى تعميم خطاب الترشيد بوصفه واجبًا وطنيًا في مواجهة الحرب وارتفاع فاتورة الطاقة. وهنا ظهر سؤال مباشر في الشارع القبطي قبل غيره: هل تطلب السلطة من الكنيسة أن تساعدها في امتصاص غضب اجتماعي يتوسع مع كل زيادة سعرية جديدة تمس الكهرباء والوقود والخدمات الأساسية.

 

دعوة كنسية جاءت بعد أوامر حكومية مباشرة

 

جاءت تصريحات البابا تواضروس في اجتماع كنسي بالقاهرة بعد ساعات من توجيهات حكومية تتعلق بالتقشف، وقال الرجل بوضوح إن المصريين يجب أن يلتزموا بكل القرارات والتوصيات الصادرة من مجلس الوزراء، مضيفًا أن العالم يشهد ارتفاعًا كبيرًا في أسعار الطاقة، وأن على المواطنين الاستغناء عن كل ما يمكن تأجيله أو تركه. هذا التتابع الزمني جعل الدعوة الكنسية ملتحقة بخطاب الحكومة لا منفصلة عنه.

 

وبعد 11 يومًا فقط، أعلنت الحكومة بدء حزمة إجراءات لترشيد استهلاك الطاقة لمدة شهر قابل للتمديد. وشملت القرارات إغلاق المحال والمطاعم ومراكز التسوق وقاعات الأفراح في التاسعة مساء، وتقليل إضاءة الشوارع، وخفض إضاءة الإعلانات بنسبة 50%، وتقليص مخصصات وقود السيارات الحكومية بنسبة 30%، مع تطبيق العمل عن بعد يومًا أسبوعيًا اعتبارًا من أول أبريل 2026.

 

وفي هذا السياق، قدّم الباحث الأمريكي ناثان ج. براون، أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن والباحث في مؤسسة كارنيغي، إطارًا يفسر هذا التداخل، إذ يركز عمله على الدين والقانون والسياسة في العالم العربي، ونشرت كارنيغي دراسة عن النخب الدينية وتدبير السلطة السياسية في مصر. هذا الإطار يجعل الاستعانة بالمؤسسات الدينية جزءًا من إدارة الدولة للضغط العام لا مجرد وعظ منفصل عن السياسة.

 

الترشيد الرسمي ترافق مع رفع الأسعار وتوسيع الضغط اليومي

 

بعد ذلك، ربط رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إجراءات الترشيد بارتفاع فاتورة استيراد الطاقة، وقال إن الفاتورة قفزت من 1.2 مليار دولار في يناير 2026 إلى 2.5 مليار دولار في مارس 2026. كما أكد أن الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود لا تغطي سوى ثلث الزيادة التي طرأت على فاتورة الاستيراد، وهو ما يعني أن الحكومة نقلت جزءًا من التكلفة إلى المستهلك ثم طلبت منه خفض استهلاكه فوق ذلك.

 

كما جاء هذا المسار بعد سنوات من الزيادات المتكررة في أسعار الطاقة. فقد رفعت مصر أسعار الوقود في أبريل 2025 للمرة الأولى في ذلك العام بنسب قاربت 15%، ثم رفعتها مجددًا في 10 مارس 2026 بنسب تراوحت بين 14% و30% بسبب ما وصفته وزارة البترول بالظروف الاستثنائية في أسواق الطاقة، بينما سبقت ذلك زيادات في أسعار الكهرباء خلال 2024.

 

ولذلك حذّر رجل الأعمال والخبير الاقتصادي هاني توفيق في مقابلة منشورة يوم 12 مارس 2026 من أن الاقتصاد المصري كان في وضع محرج قبل الأزمة الإقليمية الأخيرة، وقال إن الدولة كانت تواجه أصلًا ضغوطًا مالية كبيرة ومستحقات دولارية ثقيلة خلال مارس. هذا التوصيف يوضح أن خطاب الترشيد لم يبدأ بسبب الحرب وحدها، بل بسبب هشاشة سابقة تفاقمت مع التطورات الإقليمية.

 

الخبراء يقولون إن جذور الأزمة أعمق من دعوات الاستهلاك المنخفض

 

ثم جاء رأي الخبير الاقتصادي مدحت نافع ليضع حدودًا واضحة لفكرة أن الترشيد يكفي. ففي مقابلة منشورة يوم 2 مارس 2026، قال نافع إن بعض المؤشرات الكلية تحسنت، لكن الأعطاب الهيكلية ما زالت تضغط على الاستدامة، وحدد من بينها العجز التوأم وعجز الموازنة وعجز ميزان التجارة، معتبرًا أن العجز التجاري يقترب من 50 مليار دولار، وهو المؤشر الأكثر إزعاجًا.

 

كما أوضح نافع أن مشكلة الدين العام تبدأ من فجوات مزمنة في الموارد والاستثمار والادخار المحلي، وأن الاقتراض يتحول من حل سريع إلى حلقة دائمة لسد الفجوات وسداد ديون سابقة. وأضاف أن الاقتصاد المصري يعتمد بدرجة كبيرة على موارد دولارية ريعية مثل السياحة وقناة السويس والتحويلات، وهي موارد تهتز بسرعة مع الأزمات الجيوسياسية، بينما يظل الاستثمار في الإنتاج أقل من المطلوب.

 

وبناء على ذلك، فإن تحميل المواطن وحده عبء الترشيد لا يقدم علاجًا كافيًا لأزمة تتعلق بسعر الطاقة، وبهيكل الاستيراد، وبضعف القاعدة الإنتاجية، وبالتزامات الدين، وباستمرار سياسات رفع الدعم. هذا هو السبب الذي يجعل دعوة الكنيسة، مهما قُدمت بصيغة وطنية أو أخلاقية، تبدو في نظر معارضين جزءًا من جهد سياسي لاحتواء السخط المسيحي والاجتماعي أكثر من كونها استجابة مستقلة لواجب رعوي.