وائل قنديل

كاتب صحافي مصري

 

قبل يومين من كلمة دونالد ترامب للشعب الأميركي صباح أمس الخميس كان قد قال في واحد من هذياناته: "كان لدي هدف واحد في إيران، وهو التخلّص من الأسلحة النووية ولم يكن لديهم أسلحة نووية" ثم أردف: "لكننا أرجعناهم الى الوراء وسنعيدهم الى العصور الوسطى".

 

هذا شخص فرّ من أكثر صفحات تاريخ الاستعمار القديم سوادًا، واختبأ في كهوف الزمن حتى أطلّ علينا، ومعه مجموعة من القراصنة الصغار، في المشهد الإيراني، ليقدّموا للعالم خطابًا منقولًا بالحرف من عالم الجريمة المُنظّمة ويفرضوه علينا باعتباره خطاب السياسة السليم.

 

فكرة إعادة الدول، وبالأخصّ دول الحضارة العريقة مثل إيران لن تجدها إلا في عقول زعماء الدول المُستحدثة المؤسّسة على أنقاض حضارات أخرى بالقتل والإزاحة والافتراس، وأميركا هي الدولة النموذج في هذا المجال منذ أُنشئت عن طريق الغزو والقرصنة والاغتصاب، وهي مكوّنات الذهنية التي تحكم البيت الأبيض حتى الآن، ونحن على مسافة أكثر من خمسة قرون على جريمة السيد الاستعماري الأبيض بحقّ الهنود الحمر، المُلّاك الأصليين لتلك القارة البعيدة المجهولة التي سماها القراصنة لاحقًا "أميركا".

 

منطلقات الحملة الأميركية الصهيونية على إيران لا تبتعد كثيرًا عن منطلقات الغزاة الذين أبادوا حضارة لإقامة إمبراطورية القتل والإرهاب، فالغازي كولومبوس أباد أمّة كاملة في جريمة شاملة فعلها من أجل فرض سلطة الربّ وفتح الديار المُقدّسة في حملة صليبية أخرى بعد الحصول على المال من تلك البلاد البعيدة، بعد إبادة أهلها، على نحو ما يقول مؤلّف كتاب "فتح أميركا" تزفتان تودوروف، وكذلك يفعل ترامب وعصابته من فيلق الصهاينة الإنجيليين: محاولة تدمير إيران وإعادتها إلى العصر الحجري والسيطرة على نفطها وثرواتها من أجل الحلم الصهيوني المُعتّق؛ إسرائيل الكبرى فوق أنقاض فلسطين وسائر بلاد الشام.

 

منطق القراصنة الأوائل في العصور الوسطى يلخّصه تودوروف في الفقرة التالية: "الحاجة إلى المال والرغبة في فرض الرب الحقيقي لا تستبعد إحداهما الأخرى. بل إن هناك علاقة تبعية بين الاثنتين: فالمال وسيلة وفرض الرب الحقيقي غاية. والواقع أنّ لدى كولومبوس مشروع أكثر تحديدًا من تحقيق المجد للإنجيل في العالم، ووجود وكذلك دوام هذا المشروع يدلان على عقليته: فكولومبوس، وهو دون كيخوته من نوع ما متخلّف عن زمنه بعدّة قرون، يطمح إلى تجهيز حملة صليبية لتحرير القدس! وكلّ ما في الأمر أنّ الفكرة تعتبر سخيفة في عصره، وبما أنه، من ناحية أخرى، لا يملك مالًا، فإن أحدًا ليس على استعداد للإصغاء إليه. فكيف يمكن لإنسان محروم من الموارد ويرغب في تجهيز حملة صليبية أن يحقق حلمه في القرن الخامس عشر؟ إن كل ما عليه عمله هو اكتشاف أميركا من أجل تدبير الأموال اللازمة… أو بالأحرى الذهاب إلى الصين عبر الطريق الغربي "المباشر"، حيث إنّ ماركو بولو وكتّابًا آخرين من العصور الوسطى قد أكدوا أن الذهب "يولد" هناك بوفرة".

 

وكذلك تكلّم ترامب أمس مُنطلقًا بكلّ فخر من عملية غزو فنزويلا والهيمنة على ثرواتها: "نحن، بالمعنى الحقيقي للكلمة، شركاء في مشروع مشترك. نحن نتفاهم بشكل جيد للغاية في إنتاج وبيع كميات هائلة من النفط والغاز، وهي ثاني أكبر احتياطيات على الأرض بعد الولايات المتحدة". ليصل إلى النقطة المحورية: إسرائيل، فيشن هجومًا بذيئًا على الرئيس السابق أوباما، مع إلحاح شديد على لقب "حسين" في اسمه الكامل، فيقول إنّه لو لم يشن هجومه على إيران "لكان العالم مختلفًا. لم تكن لتوجد منطقة شرق أوسط ولا إسرائيل الآن".

 

يتكلّم ترامب عن جرائم الاغتيالات والتدمير وإحراق الإقليم كلّه بسعادة لا تليق إلا بلصوص وقراصنة في عصور بالية، يتغزّل في قدرات جيشه الفائقة في إزالة معالم حضارة إنسانية، وكذلك يفعل وزير دفاعه وصهاينة إدارته، حين يتحدّثون عن الجريمة الشاملة بوصفها مُنجزًا حضاريًّا، أو كما قال والتر بنيامين الفيلسوف الألماني: "كل وثيقة من وثائق الحضارة هي في الوقت نفسه من وثائق البربرية".