تقدم حكومة الانقلاب خلال السنوات الأخيرة سردية متماسكة عن تحسن التعليم والبحث العلمي، وتستند في ذلك إلى إنفوجرافات رسمية وأرقام صادرة عن مؤسسات دولية. وتقول هذه السردية إن مصر تقدمت في مؤشر جودة التعليم الجامعي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى المركز 87 عالميًا في 2024 بعد أن كانت في المركز 116 في 2019، كما صعدت في مؤشر الابتكار العالمي إلى المركز 86 في 2025 بعد المركز 99 في 2014.
لكن هذه الأرقام نفسها فتحت بابًا واسعًا للتشكيك، لأن القفز في بعض المؤشرات لم ينعكس بوضوح في التصنيفات الأكاديمية الأكثر تداولًا بين الجامعات والباحثين وأصحاب الأعمال. كما أن الوقائع اليومية داخل المدارس والجامعات، من ضعف التمويل وتكدس القاعات إلى الشكاوى من الغش وتسريب الامتحانات، تدفع إلى سؤال مباشر عن موقع مصر الحقيقي بين ما تعلنه الدولة وما يلمسه الطلاب وأعضاء هيئة التدريس وسوق العمل.
مؤشرات رسمية صاعدة وتصنيفات دولية لا تمنح الثقة نفسها
تستند الرواية الحكومية أولًا إلى أرقام تقول إن مصر حققت تقدمًا في عدد من المؤشرات الدولية المرتبطة بالتعليم والبحث العلمي خلال السنوات الأخيرة. وتشير البيانات الرسمية إلى تحسن ترتيب البلاد في جودة التعليم الجامعي، وإلى صعودها في مؤشر الابتكار العالمي، وإلى زيادة عدد الأبحاث المنشورة دوليًا بنسبة 179 بالمئة وفق بيانات سيماجو، مع تراجع بطالة خريجي التعليم المتوسط والجامعي.
لكن هذا العرض الرقمي يواجه اعتراضًا مباشرًا، لأن التصنيفات الأشهر عالميًا لا تضع الجامعات المصرية في مواقع متقدمة بالقدر الذي يوحي بحدوث نقلة حقيقية. ويبرز هنا تصنيف كيو إس العالمي للجامعات وتصنيف تايمز للتعليم العالي، إذ يعتمد كل منهما على عناصر أوسع من مجرد عدد الأبحاث أو ترتيب جزئي، مثل جودة التدريس والسمعة الأكاديمية والتأثير الدولي والبيئة البحثية.
وفي هذا السياق، يرى الخبير التربوي الدكتور كامل كامل، في تصريحات صحفية سابقة، أن التحسن في بعض المؤشرات لا يكفي لإثبات تطور فعلي في جودة التعليم. ويقول كامل إن المشكلة الأساسية ما زالت مرتبطة ببنية المنظومة التعليمية نفسها، لا بعدد البرامج ولا بعدد الجامعات، وهو ما يجعل قراءة الأرقام الرسمية منفصلة جزئيًا عن واقع المؤسسات التعليمية.
وبعد ذلك، يزداد الجدل لأن بعض المؤشرات التي تستشهد بها الحكومة تخضع لتغيرات في المنهجية أو تعتمد على أوزان مختلفة من سنة إلى أخرى. ولهذا يلفت مراقبون إلى أن أي تحسن نسبي في الترتيب لا يعني تلقائيًا تحسنًا هيكليًا في التعليم، بل قد يعكس تغيرًا في طريقة القياس أو تحسنًا إجرائيًا محدودًا لا يبدل جوهر الأزمة داخل القاعات والمعامل.
التوسع في الجامعات والبرامج لا يحسم أزمة التمويل والجودة
تقول البيانات الرسمية أيضًا إن الدولة وسعت إنشاء البرامج التعليمية الجديدة، ورفعت عدد الجامعات التكنولوجية، وزادت مدارس التكنولوجيا التطبيقية. وتربط الحكومة هذه التوسعات بهدف معلن هو تحديث التعليم وربطه بالتنمية الاقتصادية واحتياجات الصناعة. لكن هذا التوسع العددي لا ينهي تلقائيًا المشكلات الأقدم، لأن قدرة المؤسسات على تقديم تعليم جيد ترتبط بالتمويل والكفاءة والعدالة في توزيع الإمكانيات.
وبسبب ذلك، يبقى ضعف الإنفاق على البحث العلمي نقطة مركزية في أي تقييم جاد لحال التعليم المصري. فرغم الخطاب الرسمي عن دعم المعرفة والابتكار، ما زال الإنفاق الفعلي أقل من النسب التي توصي بها المعايير الدولية في الدول التي تسعى إلى بناء قاعدة بحثية مستقرة. كما أن هذا الضعف ينعكس مباشرة على المعامل والتجهيزات والمنح البحثية وفرص النشر المرتبطة بتمويل حقيقي.
ومن ثم، تعاني جامعات كثيرة من نقص الإمكانيات وتكدس الطلاب داخل القاعات وتفاوت واضح في جودة البرامج من مؤسسة إلى أخرى. ولا يقتصر أثر ذلك على المستوى الأكاديمي، لأن الطالب الذي يدرس في بيئة مزدحمة وضعيفة التجهيز لا يحصل على الفرص نفسها التي يحصل عليها طالب آخر في برنامج أكثر تمويلًا أو أقل كثافة، وهو ما يوسع فجوة الجودة داخل المنظومة نفسها.
وفي هذا الإطار، قال الدكتور حسن شحاتة، أستاذ المناهج بجامعة عين شمس، في تصريحات سابقة، إن زيادة عدد الأبحاث أو البرامج لا تكفي وحدها للحكم على نجاح الإصلاح. وأوضح شحاتة أن الفجوة ما زالت قائمة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، وهو ما يعني أن التوسع المؤسسي يفقد جزءًا من قيمته عندما لا ينعكس على فرص التشغيل ونوعية المهارات المكتسبة.
وبناء على ذلك، تبدو مسألة بطالة الخريجين أكثر تعقيدًا من مجرد انخفاض المعدلات المعلنة. فالتراجع الرقمي في البطالة لا يحسم وحده جودة التشغيل ولا مستوى الأجور ولا طبيعة الوظائف التي يلتحق بها الخريجون. كما أن اتساع التعليم الفني والتكنولوجي يحتاج إلى متابعة دقيقة لمدى اندماج خريجيه فعليًا في سوق العمل، لا إلى الاكتفاء بإحصاءات مجملة تقدم صورة مريحة سياسيًا.
نزاهة التقييم وواقع الفصول يضعان خطاب الإصلاح تحت المساءلة
تنتقل الأزمة بعد ذلك إلى مرحلة التعليم قبل الجامعي، وهي المرحلة التي تحدد المسار الجامعي للطلاب وتؤثر في توزيع الفرص الاجتماعية. ففي كل عام تتكرر وقائع تتعلق بتسريب الامتحانات أو تداول الإجابات أو انتشار حالات الغش. وهذه الوقائع لا تبدو تفصيلًا جانبيًا، لأنها تضرب أساس العدالة في التقييم وتضعف الثقة في النتائج التي يفترض أن تحدد مصير مئات الآلاف من الطلاب.
ولهذا يرى منتقدون أن أي حديث عن تطوير واسع يفقد جزءًا كبيرًا من صدقيته عندما تعجز منظومة الامتحانات عن فرض النزاهة والرقابة. فالتقييم المدرسي ليس إجراءً إداريًا بسيطًا، بل هو الأداة التي تقيس ناتج التعلم وتوزع الفرص التعليمية لاحقًا. وإذا شاب هذا المسار خلل متكرر، فإن الأرقام اللاحقة عن التحسن أو الكفاءة تصبح محل مساءلة مباشرة ومشروعة.
وفي هذا السياق، قال الدكتور طارق شوقي، وزير التربية والتعليم السابق، في تصريحات إعلامية سابقة، إن إصلاح التعليم عملية طويلة ومعقدة ولا يمكن قياسها بالأرقام وحدها. وتكتسب هذه الملاحظة وزنًا خاصًا لأن شوقي أدار بنفسه جزءًا من مشروع التغيير، وهو ما يجعل تأكيده على جودة التعلم الفعلية داخل الفصول إقرارًا بأن المؤشرات الرقمية لا تكفي وحدها.
وبعد ذلك، تتجه الحكومة إلى مبادرات مثل تحالف وتنمية وبرنامج أستاذ لكل مصنع بوصفها أدوات لربط التعليم بالتنمية الاقتصادية. غير أن نجاح هذه المبادرات يظل مرتبطًا بشروط أكثر صرامة، منها تحسين التمويل، ورفع كفاءة المعلمين، وضبط الامتحانات، وتخفيف الكثافات، وتطوير المحتوى، وقياس أثر البرامج على التشغيل الحقيقي. ومن دون هذه الشروط، يبقى الإعلان عن المبادرات سابقًا على قدرتها الفعلية.
وفي المحصلة، تكشف الصورة المجمعة أن مصر حققت بالفعل تحسنًا في بعض المؤشرات التي تستند إليها الدولة، لكن هذا التحسن لا يحسم وحده مسألة جودة التعليم ولا يحل التناقض بين التصنيفات الجزئية والواقع المؤسسي. ولذلك يبقى السؤال عن الموقع الحقيقي لمصر مفتوحًا، لأن الحكم النهائي لا يصنعه ترتيب واحد أو عدد أبحاث أكبر، بل تصنعه منظومة عادلة وممولة وقادرة على التعليم والتقييم والتشغيل.

