فرضت شركات الاتصالات الأربع العاملة في مصر ضغوطًا جديدة لرفع أسعار خدماتها بنسبة تتراوح بين خمسة عشر وعشرين في المئة، مستندة إلى ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء وتزايد الأعباء التشغيلية. وفتح هذا التحرك بابًا واسعًا لجدل جديد حول حدود ما يمكن أن يتحمله المواطن، في وقت تتحول فيه الخدمات الأساسية تباعًا إلى عبء إضافي على دخل يتآكل تحت ضغط موجات غلاء متلاحقة.

 

طلبات الشركات تعود والمستهلك خارج الحسابات

 

أوضحت الشركات عبر طلباتها المقدمة للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أنها تريد تحميل المشتركين كلفة الزيادات الأخيرة في الوقود والكهرباء، رغم أن الخدمة لم تعد رفاهية يمكن الاستغناء عنها. ويكشف ذلك أن أول ما تفكر فيه هذه الشركات عند ارتفاع التكلفة ليس مراجعة سياساتها أو تقليص هوامش أرباحها، بل نقل العبء مباشرة إلى المواطن الذي يدفع أصلًا ثمن كل زيادة جديدة في السوق.

 

ولفت بقاء هذه الطلبات على طاولة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات إلى أن القرار لم يحسم بعد، لكن مجرد طرحه يكفي لإثارة القلق في الشارع. فالمستخدم لا يتعامل مع خدمة ثانوية، بل مع وسيلة أساسية للعمل والتعليم والتواصل وإنجاز المعاملات اليومية. ولهذا يصبح الحديث عن زيادة جديدة في أسعار الاتصالات أقرب إلى إنذار اقتصادي يمس تفاصيل الحياة اليومية لملايين المصريين.

 

ويرى المهندس محمد طلعت، رئيس شعبة الاتصالات والمحمول باتحاد الغرف التجارية، أن ارتفاع أسعار الوقود يرفع فعلًا تكاليف تشغيل المحطات والشبكات، لكنه يربط أي زيادة بقرار منظم يخضع للدراسة. وتكتسب هذه الرؤية أهميتها لأنها تكشف أن وجود ضغوط تشغيلية لا يعني منح الشركات حقًا مفتوحًا في تحصيل ما تريد من جيوب المشتركين، ولا يبرر التعامل مع المواطن باعتباره الحلقة الأضعف دائمًا.

 

ارتفاع التكلفة واقع قائم لكن تحميله للمواطن ليس قدرًا

 

يبين مسار السوق أن شركات المحمول تكرر التذرع بكلفة التشغيل كلما طرحت ملف الأسعار، من دون أن يصاحب ذلك نقاش واضح حول إدارة الإنفاق أو أولويات الاستثمار أو حجم ما يمكن امتصاصه داخليًا. وتتحول حجة التكلفة هنا إلى أداة جاهزة لتبرير أي تحريك للأسعار، بينما يغيب السؤال الأساسي عن نصيب الشركات نفسها من المسؤولية قبل مطالبة المستخدم بدفع الفاتورة كاملة.

 

وأكد المهندس أحمد يحيى، الرئيس التنفيذي للقطاع التجاري في شركة إي آند مصر، في تصريحات سابقة أن الزيادات السابقة لم تكن متناسبة مع تكاليف التشغيل، وأن الشركات أنفقت مليارات على تطوير الشبكات. لكن هذه الحجة، رغم وضوحها من زاوية الأعمال، لا تلغي حقيقة أبسط وأقسى، وهي أن المواطن لا يحاسب الشركات على خططها الاستثمارية بقدر ما يحاسبها على سعر خدمة باتت تلتهم جزءًا أكبر من دخله كل عدة أشهر.

 

وفي ظل هذا المشهد، لا يبدو النقاش متعلقًا فقط بأرقام فنية داخل دفاتر الشركات، بل بطبيعة السياسة التي تحكم السوق كله. فإذا كان كل ارتفاع في الطاقة أو الكهرباء سينتهي تلقائيًا بزيادة على المشترك، فإن معنى ذلك أن المستهلك أصبح الممول الدائم لأي خلل أو ضغط أو توسع. وهنا تتحول السوق من ساحة تنافس على تحسين الخدمة إلى مسار متكرر لتحصيل الأموال من طرف لا يملك إلا الدفع أو العجز.

 

خلفية الزيادات السابقة تكشف أن الضغوط لا تتوقف

 

أشار العام الماضي إلى أن ملف رفع أسعار خدمات الاتصالات لم يكن استثناء عابرًا، إذ تقدمت الشركات بطلبات مماثلة من قبل تحت المبررات نفسها تقريبًا، في ظل الحديث المستمر عن ارتفاع التكاليف. ويعني ذلك أن السوق يتحرك في اتجاه واضح، كلما زادت الأعباء طلبت الشركات تمريرها إلى المستخدم، من دون أن يظهر أفق حقيقي يضمن وقف هذه السلسلة أو حماية المشترك من تكرارها.

 

وفي موازاة ذلك، تعيد تصريحات المهندس هشام العلايلي، الرئيس التنفيذي الأسبق للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، التذكير بأن أي ملف تسعير يجب أن يخضع لمقارنات دقيقة ولموازنة بين الكلفة والقدرة الشرائية. وتكشف هذه الخلفية أن المسألة لم تكن يومًا حسابًا فنيًا مجردًا، بل قرارًا سياسيًا اقتصاديًا يمس ملايين الناس. ولهذا فإن اختزالها في عبارة زيادة التكاليف وحدها يصبح تبسيطًا مخلًا يبرئ الشركات سلفًا من أي مساءلة.

 

ويؤكد تكرار هذا المشهد أن الأزمة لم تعد في الزيادة المقترحة وحدها، بل في المنطق الذي يحكم التعامل مع الخدمات الأساسية في مصر. فكلما تحركت الكلفة صعدت المطالبات، وكلما صعدت المطالبات أصبح المواطن مطالبًا بالتحمل والصبر والتفهم. وبذلك يتسع الخلل عامًا بعد عام، لأن السوق لا يرسل رسالة طمأنة للمستهلك، بل يرسخ لديه اقتناعًا بأن القادم دائمًا أغلى، وأن الحماية الرسمية لا تصل إلا متأخرة.

 

واخيرا انكشف مع هذه الطلبات وجه المعادلة القائمة بوضوح شديد، شركات تطلب، وجهاز يدرس، ومواطن ينتظر الدور عليه في الدفع. وإذا مر القرار، حتى جزئيًا، فسيكون ذلك حلقة جديدة في مسلسل تحميل الناس كلفة أزمات لا يصنعونها. أما إذا تأجل، فستبقى الأزمة قائمة ما دام أصل السياسة لم يتغير. لذلك لم يعد المطلوب مجرد مراجعة رقم الزيادة، بل وقف هذا المنهج الذي يرى في المواطن خزانًا مفتوحًا لسد كل عجز.