في أقل من يوم واحد، كشفت الوقائع التي شهدتها محافظة قنا حجم الخطر الذي يصنعه السلاح غير المرخص حين ينتقل من يد إلى أخرى خارج أي رقابة فعلية. سقط قتيل، وقُتلت رضيعة، وأصيبت سيدتان، بينما عادت قرى دشنا وقفط ومركز قنا إلى واجهة الأخبار بوصفها مسرحًا مفتوحًا للرصاص. هذا التسلسل لم يبدأ من فراغ، بل جاء من بيئة أمنية تعرف المشكلة منذ سنوات، ومع ذلك لم توقف تداول السلاح في النزاعات العائلية ولا داخل البيوت.
في المقابل، يزداد الغضب حين تتكرر هذه الحوادث في وقت تؤكد فيه تقارير حقوقية أن السلطات تواصل تخصيص جهد واسع لملاحقة المنتقدين والمعارضين السلميين. فقد قالت هيومن رايتس ووتش في تقريرها السنوي عن مصر إن الحكومة واصلت احتجاز ومعاقبة المنتقدين والنشطاء وتجريم المعارضة السلمية فعليًا، بينما وثقت منظمة العفو الدولية تصاعد الاحتجازات التعسفية ذات الدوافع السياسية خلال الفترة الأخيرة.
ثلاث وقائع في ساعات قليلة تكشف أن السلاح سبق الدولة إلى البيوت والقرى
كانت البداية في قرية السمطا التابعة لمركز دشنا، حين تلقت الأجهزة الأمنية في مديرية أمن قنا إخطارًا من غرفة العمليات يفيد بإصابة شاب ووالدته بطلقات نارية. وبعد انتقال القوة الأمنية إلى المكان، تبين أن المتهم هو خال الشاب، وأن إطلاق النار جاء على خلفية خلافات على الميراث في نجع الجامع داخل القرية، قبل نقل المصابين إلى مستشفى قنا العام لتلقي العلاج.
ثم اتضح أن الشاب المصاب، البالغ من العمر ستة وعشرين عامًا، لم ينج من إصابته. فقد لفظ أنفاسه الأخيرة في اليوم التالي متأثرًا بالطلق الناري الذي أصابه خلال النزاع العائلي نفسه، بينما بقيت والدته تحت الرعاية الطبية. وبهذا انتقلت الواقعة من سجل إصابة مزدوجة إلى جريمة قتل مكتملة الأركان بدأت بخلاف عائلي وانتهت بجثة داخل مستشفى حكومي.
بعد ذلك بساعات، انتقلت المأساة إلى منطقة حاجر الكلاحين التابعة لمركز قفط جنوب قنا، حيث لقيت رضيعة مصرعها داخل منزل أسرتها. وتلقت أجهزة الأمن إخطارًا من غرفة العمليات يفيد بمصرع طفلة بطلق ناري طائش، قبل أن تشير المعلومات الأولية إلى أن الرصاصة خرجت بطريق الخطأ من سلاح والدها، ما أدى إلى وفاة ناهد خالد عطا، البالغة من العمر عامًا واحدًا.
أما الواقعة الثالثة، فوقعت في قرية الحجيرات التابعة لمركز قنا، حيث أصيبت سيدة بطلق ناري في ظروف وصفتها الجهات الأمنية بالغامضة. وتلقت مديرية الأمن إخطارًا من غرفة العمليات بالحادث، ثم كثفت الأجهزة الأمنية جهودها لكشف ملابساته، في وقت جرى فيه نقل المصابة إلى المستشفى. كما تحرر محضر بالواقعة، وأُخطرت الجهات المختصة التي كلفت وحدة المباحث بالتحري.
وفي هذا السياق، قال اللواء أسامة الطويل، وهو خبير أمني تحدث في حوار منشور عن الصعيد، إن السلاح في كثير من مناطق الجنوب ما زال يُعامل داخل بعض العائلات بوصفه أداة قوة وتفاخر، وإن الحملات الأمنية اليومية لم تُنه وجوده الكثيف. وتكشف وقائع قنا الأخيرة أن هذا التوصيف لم يعد مجرد ملاحظة عامة، بل صار وصفًا مباشرًا لما جرى على الأرض.
القانون حاضر على الورق فقط بينما يتحرك السلاح أسرع من إجراءات الضبط والمنع
تُظهر هذه الوقائع أن القانون المنظم لحيازة السلاح موجود، لكن أثره التنفيذي لا يظهر بالقدر نفسه داخل القرى التي تشهد تداولًا فعليًا للأسلحة. فالقانون رقم ٣٩٤ لسنة ١٩٥٤ بشأن الأسلحة والذخائر ينظم الحيازة والتداول والعقوبات، كما ينص على قيود واسعة وعلى تجريم الحيازة بغير ترخيص، بل أتاح في بعض تعديلاته فترات لتسليم السلاح والإعفاء من العقاب ضمن شروط محددة.
لكن حضور النص القانوني لا يفسر وحده كيف خرج سلاح إلى نزاع ميراث داخل قرية، ولا كيف بقي سلاح داخل منزل لينتهي برصاصة تقتل رضيعة عمرها عام واحد، ولا كيف استمر إطلاق النار في بيئة تعرف فيها الأجهزة الأمنية أن السلاح غير المرخص جزء ثابت من المشهد المحلي. ومن ثم، فإن الفجوة ليست بين القانون والجريمة فقط، بل بين النص والتنفيذ والرقابة المبكرة.
وفي قراءة قانونية منشورة، قالت المحامية نهي الجندي إن المشرع المصري شدد عقوبات حيازة السلاح غير المرخص بموجب قانون الأسلحة والذخائر، وإن العقوبة تتدرج بحسب نوع السلاح والظرف المحيط باستخدامه. غير أن الوقائع الأخيرة في قنا تقول بوضوح إن التشديد العقابي اللاحق لا يمنع الضرر السابق، لأن الرصاصة تسبق المحضر، والضحية تصل أولًا إلى المستشفى قبل أن تبدأ أوراق القضية.
ثم إن التتابع الزمني للحوادث يفضح فشل الردع الوقائي. فحادث السمطا بدأ بإصابة ثم تحول إلى وفاة، وحادث الكلاحين انتهى بمقتل طفلة داخل منزلها، بينما بقيت واقعة الحجيرات معلقة على عبارة "ظروف غامضة". وهذا الترتيب نفسه يكشف أن المشكلة لا تتعلق بحادث منفصل، بل بنمط يكرر النتيجة نفسها كلما بقي السلاح في متناول الأيدي خارج الضبط الرسمي.
حين تلاحق السلطة المنتقدين وتترك القرى للسلاح، يدفع المدنيون الثمن مباشرة
لا يمكن فصل هذه الوقائع عن الأولويات الأمنية الأوسع في مصر خلال السنوات الأخيرة. فقد وثقت هيومن رايتس ووتش استمرار تجريم المعارضة السلمية واحتجاز المنتقدين والنشطاء، كما قالت منظمة العفو الدولية إن السلطات صعّدت الاحتجازات التعسفية ذات الدوافع السياسية قبيل مراجعة سجلها الحقوقي. وهذا يعني أن جزءًا معتبرًا من الجهد الأمني يتجه إلى المجال السياسي، بينما يبقى الخطر الاجتماعي اليومي قائمًا في المحافظات.
وفي هذا الإطار، قال عمرو مجدي، الباحث البارز في شؤون مصر لدى هيومن رايتس ووتش، إن حملات السلطات المصرية استهدفت في الأشهر الأخيرة حتى صناع المحتوى على الإنترنت ضمن توسيع الخنق على ما تبقى من المجال العام. وتعزز هذه الملاحظة صورة جهاز أمني يلاحق التعبير السلمي والمنتقدين، بينما لا يمنع بالفعالية نفسها انتقال السلاح غير المرخص بين المنازل والقرى والعائلات.
وبناء على ذلك، لا تبدو حصيلة قنا الأخيرة مجرد أرقام عابرة في دفتر الحوادث. فالمحصلة الواضحة هي قتيل واحد على الأقل في نزاع الميراث، ورضيعة قُتلت برصاصة خرجت من سلاح والدها، وسيدتان أصيبتا بالرصاص، إحداهما في السمطا والأخرى في الحجيرات. وهذه الحصيلة جاءت كلها في دائرة زمنية قصيرة، ما يجعل المسألة أقرب إلى فشل أمني متكرر لا إلى مصادفة محلية محدودة.
وأخيرًا، تضع وقائع قنا السلطة أمام سؤال مباشر لا يحتمل المواربة. إذا كانت الدولة قادرة على ملاحقة المعارضين والمنتقدين ومراقبة المجال العام بهذا الاتساع، فلماذا تعجز عن منع سلاح غير مرخص من حسم خلاف ميراث، وقتل رضيعة داخل بيتها، وإصابة امرأة في قرية ثالثة خلال الساعات نفسها. إن ما جرى في قنا ليس خللًا لغويًا في بيانات الأمن، بل دليل دموي على أن المدنيين يدفعون ثمن اختلال الأولويات.

