لم تأت إحالة رئيس أركان الجيش الأميركي الجنرال راندي جورج إلى التقاعد الفوري باعتبارها تغييرًا إداريًا روتينيًا في مؤسسة عسكرية ضخمة، بل جاءت في لحظة حرب مفتوحة تقودها الولايات المتحدة ضد إيران، وفي توقيت شديد الحساسية بالنسبة إلى القوات البرية تحديدًا.
وعندما يخرج أعلى ضابط في الجيش البري الأميركي من منصبه قبل نهاية ولايته الطبيعية، وبقرار مفاجئ، ومن دون تبرير عملياتي مقنع، فإن الحدث يتجاوز شخص الجنرال نفسه، ويصبح سؤالًا مباشرًا عن طبيعة القرار العسكري داخل إدارة دونالد ترامب ووزير الحرب بيت هيغسيث.
تكشف هذه الإقالة أن البنتاغون لم يعد يتحرك فقط وفق منطق الكفاءة والخبرة وتراكم القيادة في زمن الحرب، بل بات يتحرك أيضًا وفق معيار الولاء السياسي ومدى الانسجام مع “رؤية الرئيس” كما تردد في التسريبات الأميركية.
وهذا التحول أخطر من مجرد تغيير أسماء في القمة، لأنه يضرب واحدة من أكثر القواعد رسوخًا داخل المؤسسة العسكرية الأميركية، وهي تجنب العبث بهرم القيادة أثناء المعارك الكبرى، خصوصًا حين تكون الخيارات البرية مطروحة ولو نظريًا على الطاولة.
قرار الإقالة المفاجئ حطم قاعدة الاستقرار القيادي في لحظة حرب مفتوحة
أعلن المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل أن الجنرال راندي أ. جورج سيتقاعد من منصبه كرئيس أركان الجيش الحادي والأربعين “بأثر فوري”، مضيفًا أن وزارة الحرب ممتنة لعقود خدمته.
وجاء الإعلان مقتضبًا وخاليًا من أي شرح عملياتي أو مهني يفسر لماذا خرج الرجل من موقعه بهذه السرعة وفي هذا التوقيت بالذات، وهو ما زاد من حجم الجدل داخل واشنطن وخارجها.
ثم أوضحت تقارير أميركية أن القرار لم يكن استقالة طوعية عادية، بل جاء بعدما طلب وزير الحرب بيت هيغسيث من جورج التنحي والتقاعد فورًا.
ونقلت أسوشيتد برس وواشنطن بوست أن الخطوة تندرج ضمن موجة جديدة من الإقالات في الصفوف العليا، وأن الجنرال كريستوفر لانيف مرشح لأن يتولى المنصب بالإنابة أو بصورة دائمة، ما يعني أن الإقالة كانت جزءًا من عملية استبدال محسوبة لا مجرد إنهاء خدمة مفاجئ.
كما تكتسب الخطوة ثقلًا خاصًا لأن راندي جورج لم يكن ضابطًا هامشيًا أو اسمًا بيروقراطيًا بعيدًا عن الميدان، بل ضابط مشاة محترف تخرج في ويست بوينت عام 1988، وشارك في حرب الخليج الأولى وحربي العراق وأفغانستان، وتولى رئاسة الأركان منذ سبتمبر 2023 بعد ترشيحه في عهد جو بايدن.
وبحسب الصفحة الرسمية للجيش الأميركي، فإن ولايته كان يفترض أن تمتد ضمن الدورة المعتادة لأربع سنوات، ما يعني أن خروجه الآن جاء قبل موعده الطبيعي بوقت معتبر.
وفي هذا السياق، تبدو الإطاحة به خلال حرب إقليمية واسعة مقامرة مؤسساتية لا مجرد تبديل في الوجوه، لأن القوات البرية الأميركية ليست بعيدة عن مسرح العمليات في الشرق الأوسط.
فقد أشارت تقارير حديثة إلى نشر قوات ومظليين ومارينز في المنطقة، مع بقاء الخيارات البرية مطروحة ضمن التفكير العسكري الأميركي، حتى لو لم تُعلن واشنطن قرارًا نهائيًا بالتدخل البري المباشر حتى الآن.
هيغسيث لا يعيد ترتيب الجيش فقط بل يعيد تشكيله على معيار الولاء السياسي
لم يأت قرار إقالة جورج في فراغ، لأن بيت هيغسيث سبق أن أطاح أو ساهم في إبعاد أكثر من اثني عشر ضابطًا كبيرًا منذ توليه منصبه، بينهم رئيس هيئة الأركان المشتركة سي كيو براون، وقائدة العمليات البحرية ليزا فرانشيتي، وآخرون من الصف القيادي الأول.
وتجمع التقارير الأميركية على أن هذه الموجة من الإقالات تعكس رغبة هيغسيث في إعادة تشكيل البنتاغون وفق رؤية سياسية وأيديولوجية أقرب إلى ترامب، لا وفق منطق الاستقرار المؤسسي التقليدي.
ثم كشفت التسريبات التي نقلتها CBS عبر مصادر مطلعة أن الوزير يريد في هذا المنصب “شخصًا ينفذ رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب وهيغسيث للجيش”.
وهذه العبارة، إذا أخذت بجدية، تشرح أصل الأزمة كلها، لأن المطلوب لم يعد فقط قائدًا مجربًا يدير الجيش في زمن الحرب، بل قائدًا ينسجم سياسيًا مع البيت الأبيض ووزير الحرب.
وهنا يتحول منصب عسكري مفصلي إلى موقع اختبار للولاء الشخصي لا للاحتراف وحده.
كما أن الاسم المطروح بقوة لخلافته، وهو الجنرال كريستوفر لانيف، ليس مجرد نائب طبيعي في التسلسل الوظيفي، بل شخصية قريبة من هيغسيث نفسه.
وقد أشارت التغطيات الأميركية إلى أنه كان سابقًا المساعد العسكري لهيغسيث، وأنه صعد سريعًا خلال الفترة الأخيرة.
وهذا لا يثبت وحده أن تعيينه سياسي، لكنه يجعل الشكوك حول معيار الاختيار أكثر قوة، خصوصًا مع اتساع الحديث عن “تطهير” القيادات المرتبطة بإدارة بايدن أو غير المنسجمة مع أجندة ترامب.
وفي هذا المعنى، لم تكن سيرة جورج العسكرية هي المشكلة الواضحة، بل يبدو أن علاقته السابقة بلويد أوستن وإدارته، ونجاته من موجات الإبعاد الأولى، جعلته هدفًا مؤجلًا حتى جاءت لحظة الحرب.
لذلك فإن الإقالة لا تُقرأ فقط بوصفها خلافًا حول خطط عسكرية أو تحديث الجيش، بل بوصفها حلقة في صراع أوسع على هوية القيادة العسكرية نفسها، وعلى من يحق له رسم الاتجاه السياسي للجيش الأميركي في السنوات المقبلة.
توقيت الإقالة يكشف أن السياسة تتقدم على منطق الحرب داخل الإدارة الأميركية
يزداد الجدل حول هذه الإقالة لأن راندي جورج كان شريكًا في ما سمي داخل الجيش الأميركي بمبادرات التحول والتحديث، وهي مبادرات أعادت التفكير في شكل القوات البرية على ضوء دروس أوكرانيا وتطورات المسيرات والقتال متعدد المجالات.
وحتى لو كانت بعض تفاصيل هذه الرؤية محل خلاف داخل الجيش، فإن الإطاحة بصاحبها في خضم حرب إقليمية واسعة تعني على الأقل احتمال إرباك مسار التحديث في لحظة يحتاج فيها الجيش إلى أعلى درجات الانسجام القيادي.
ثم إن الحرب الجارية ضد إيران تزيد حساسية الخطوة، لأن وزير الحرب نفسه كان قد قال قبل أيام إن الأيام المقبلة ستكون “حاسمة”، بينما كانت واشنطن توسع عملياتها وتبحث خياراتها التالية.
وعندما تعلن الإدارة أن الحرب تدخل مرحلة حاسمة، ثم تطيح في الوقت نفسه برأس القيادة البرية، فإن الرسالة التي تصل إلى الخارج والداخل ليست رسالة ثبات، بل رسالة ارتباك سياسي أو إعادة هندسة للقيادة على إيقاع البيت الأبيض لا على إيقاع الميدان.
كما أن بعض الملابسات الجانبية زادت من الشكوك، ومنها الجدل حول قرار هيغسيث إلغاء محاسبة طاقم طائرة حلق فوق منزل كيد روك في ناشفيل، وهو ما أظهره في صورة الوزير الذي يتدخل سياسيًا حتى في التفاصيل الانضباطية.
ورغم أن المصادر قالت إن قرار طلب تنحي جورج لم يكن مرتبطًا بحادثة المروحية، فإن وجود هذه الخلفية يزيد من الانطباع بأن هيغسيث يدير البنتاغون بعقلية سياسية صدامية، لا بعقلية تحفظ التوازن التقليدي بين المدني والعسكري.
وفي النهاية، لا تكمن أهمية إقالة راندي جورج في أنها أخرجت جنرالًا مخضرمًا من منصبه فقط، بل في أنها كشفت أن إدارة ترامب وهيغسيث مستعدة لإعادة ترتيب أعلى مناصب الجيش الأميركي في خضم حرب كبرى، إذا رأت أن الولاء أو الانسجام السياسي غير مكتملين.
وهذا أخطر ما في القرار، لأنه يرسل إلى المؤسسة العسكرية كلها إشارة واضحة مفادها أن معيار البقاء في القمة لم يعد الخبرة والولاية القانونية وحدهما، بل الموقع داخل الخريطة السياسية للرئيس ووزير حربه.
ولهذا فإن خروج راندي جورج الآن لا يغلق ملفه الشخصي فقط، بل يفتح ملفًا أكبر يتعلق بكلفة تسييس القيادة العسكرية الأميركية في زمن الحرب.
فحين تتقدم الحسابات السياسية على منطق الاستقرار القيادي، يصبح الجيش نفسه جزءًا من معركة داخلية على السلطة والاتجاه، لا أداة منضبطة لإدارة الحرب وحدها.
وهذا هو السؤال الأثقل الذي تركه قرار الإقالة، وربما يكون أخطر من اسم البديل نفسه أو من طريقة الإعلان المقتضبة التي حاول بها البنتاغون تمرير الحدث.

