فجرت المديونية المنسوبة لرجل الأعمال محمد الخشن، والمقدرة بأربعين مليار جنيه، موجة غضب واسعة على منصة إكس، لأن الرقم لم يظهر باعتباره أزمة شركة فقط، بل باعتباره عنوانًا جديدًا على طريقة إدارة الائتمان في دولة تضغط على الفقراء في أصغر الرسوم والضرائب، ثم تترك مليارات هائلة تتراكم في يد رجال أعمال كبار وسط صمت مصرفي ورسمي يفتح باب الشكوك.
وجاءت حدة التفاعل لأن القضية لم تتوقف عند رقم ضخم متداول، بل امتدت إلى أسئلة أكثر إيلامًا تتعلق بقواعد الإقراض، وضماناته، وطبيعة العلاقة بين البنوك وكبار المقترضين، والفارق بين معاملة أصحاب النفوذ ومعاملة الناس العاديين. ولهذا تحولت قصة الخشن من خبر مالي إلى ملف رأي عام، لأن الغضب اتجه إلى المنظومة كلها لا إلى شخص واحد فقط.
السخرية والغضب على إكس نقلا القضية من رقم مصرفي إلى فضيحة رأي عام
كتبت لانا أن محمد الخشن هو “حوت الأسمدة” وأن عليه قروضًا بأربعين مليار جنيه. وتختصر هذه التدوينة نقطة الانطلاق في الجدل كله، لأنها وضعت الاسم والقطاع والرقم في صيغة صادمة مباشرة، ثم دفعت المتابعين إلى التعامل مع القضية باعتبارها واحدة من أكبر صور التفاوت بين رجال الأعمال والناس الذين يدفعون ثمن كل أزمة اقتصادية.
محمد الخشن حوت الأسمدة و قروض بـ40 مليار جنية pic.twitter.com/3Axsrvj5Kk
— LW (@lunarwhirl) March 31, 2026
ثم كتب جمال أن الدولة عاجزة عن تحصيل أربعة مليارات فتجمعها من جيوب الغلابة، بينما يترك محمد الخشن بما عليه من أربعين مليار جنيه، مضيفًا أن المسؤولين يعاملونه كما لو كان بطلًا استثنائيًا. وتكشف هذه الصياغة أن الغضب الشعبي لم يتركز فقط على المبلغ، بل على معنى الحصانة التي يعتقد كثيرون أن كبار المقترضين يتمتعون بها.
في واحد اسمه محمد الخشن مدي الدولة على عنيها في اربعين مليار جنية ، الراجل ده المسئولين بيعاملوه معاملة مارادونا بعد مجاب كاس العالم للارجنتين ، ياريت كامل الوزير يروح ياخد منه الاربعة مليار اللي معجز فيهم بدل ماهو بيلمهم من جيوب الغلابة
— GaMaL.R (@gamal_r21) April 2, 2026
كما سخر عبد اللطيف من الجدل الدائر بوصفه “هريًا” لمجرد الهري، مدافعًا عن قدرة الخشن على الاقتراض لأنه يصدر إلى ثمانين دولة وله ضمانات تتيح له الحصول على القروض. ويضيف هذا المنشور زاوية مختلفة، لأنه ينقل النقاش من منطق الصدمة الأخلاقية إلى منطق الأعمال، ويطرح سؤالًا عن طبيعة الضمانات التي سمحت أصلًا بوصول المديونية إلى هذا الحجم.
اغلب الكلام فى الموضوع دة هري لمجرد الهري
— Abdelatif Saad (@abdo99111) April 2, 2026
محمد الخشن ده حوت الأسمده في مصر بيصدر ل ٨٠ دوله حول العالم
من امبارح ولا اول هرى في ضماناته ايه علشان ياخد قروض من البنوك! هو عنده شقه في الوراق ! https://t.co/MJDE69jnGG
بعد ذلك، انتقلت السخرية إلى الحياة الشخصية حين كتب محمد سراج تعليقًا عن أسماء إبراهيم زوجة محمد الخشن وعن الطائرة الخاصة، قائلًا إن السؤال يجب أن يوجه إلى البنك لا إلى المطار. ويكشف هذا الربط أن الغضب الشعبي لم يفصل بين المديونية الضخمة وبين نمط الرفاهية المحيط بالعائلة، بل اعتبر الاثنين جزءًا من صورة واحدة عن امتياز محمي ماليًا.
اسما إبراهيم زوجة محمد الخشن اللي واخد قروض بـ40 مليار جنية بتحب تنام في الطيارة الخاصة بتاعتها ..
— Mohamed Srag (@mohamed_srag1) April 2, 2026
احنا كده هنسأل البنك مش المطار .. pic.twitter.com/7xMIK3Es6c
كما كتبت هالة أن عائلة الخشن لديها مشكلات قديمة مع البنوك، متسائلة لماذا لا تعلن البنوك على بعضها منع التعامل مع عميل لديه عجز في السداد، ولماذا جرى إقراضه مرة بعد أخرى. وتوسع هذه التدوينة جوهر الأزمة إلى بنية العمل المصرفي نفسها، لأنها تسأل عن التنسيق بين البنوك وعن المعايير التي تحكم الاستمرار في التمويل رغم التعثر.
عائلة الخشن عندها مشاكل مع البنوك من زمان قوم ايه مفيش بنك من دول يعلن باقي البنوك أنه ممنوع التعامل مع عميل عنده عجز سداد لا وبيكافؤه واقرضوه تالت ورابع وعاشر
— هاله💜☕ (@AtaaMoh59019271) April 2, 2026
كل ده وخشن امال لو ناعم كان عمل ايه😏 pic.twitter.com/8ISBwqvn3a
وفي السياق نفسه، نشرت منصة “مزيد” توصيفًا مباشرًا يقول إن رجل الأعمال محمد الخشن، الموصوف بحوت الأسمدة في مصر، تعثر في سداد أربعين مليار جنيه للبنوك المحلية. ثم أضاف أحمد تدوينة ساخرة قال فيها إن من أخذ قرضًا حين كان الدولار أقل من سبعة عشر جنيهًا ثم حوله إلى العملة الأمريكية يستطيع إعادة المبلغ بالجنيه بعد سنوات بقيمة مختلفة تمامًا. وتكشف الإشارتان أن الجدل الشعبي لم يعد يتحدث عن تعثر فقط، بل عن مكاسب محتملة من فروق العملة نفسها.
حوت الأسمدة في مصر.. رجل الأعمال محمد الخشن يتعثر في سداد 40 مليار جنيه للبنوك المحلية#مزيد pic.twitter.com/uw1T94Na9j
— مزيد - Mazid (@MazidNews) April 2, 2026
طب تخيل يا شحات منك له يالي قاعدين تنظروا علي محمد الخشن و علي اسما حبر سري و شنطها و طايرتها الخاصه و كرافتتها الدهب ان محمد الخشن ده لما اخد قرض ال ٦ مليار جنيه و كان الدولار اقل من ١٧ و حولهم لدولار و جه يرجعهم دلوقتي قيمتهم كام ١٧ مليار جنيه يعني حيرجع لهم ال ٦ مليار و قول
— Only Ahmed (@Sugarman2023) April 2, 2026
بيان إيفرجرو دافع عن الشركة لكنه وسع النقاش إلى تكلفة التمويل والسياسات النقدية
ردت شركة إيفرجرو للأسمدة، التي يترأسها محمد الخشن، ببيان قالت فيه إن أصل المديونيات الحالية كان 11.8 مليار جنيه في 2021، ثم تصاعد لأسباب متعددة، على رأسها ارتفاع أسعار الفائدة خلال السنوات الماضية. ويعني هذا الدفاع أن الشركة لا تنفي أصل الأزمة، لكنها تحاول نقلها من خانة الانفجار المفاجئ إلى خانة التراكم الناتج عن بيئة مالية ضاغطة.
ثم شرحت الشركة أن تفاقم المديونية ارتبط أيضًا بارتفاع سعر صرف الدولار، الذي زاد قيمة الديون الدولارية، إلى جانب أزمات مرت بها مصر خلال السنوات الأخيرة من كورونا إلى حروب المنطقة. وأشارت كذلك إلى أن الفائدة البنكية على الدولار ارتفعت من 5.5 في المئة إلى 10.5 في المئة، بينما اقتربت الفائدة على الجنيه من ثلاثين في المئة، وهو ما حمل الشركة أعباء متزايدة.
كما أوضح مصطفى شفيع، مدير إدارة البحوث المالية في شركة أكيومن لإدارة الأصول، أن معظم الشركات تقترض بأسعار فائدة متغيرة قفزت خلال السنوات الماضية من نحو عشرة في المئة إلى أكثر من ثلاثين في المئة. ويعطي هذا التقدير بعدًا مهمًا للقضية، لأنه يربط ملف الخشن بسوق أوسع تحمل فيه الشركات أعباء تشديد نقدي قاسٍ بدأ منذ 2022 وبلغ ذروته في مارس 2024.
بعد ذلك، لا تبدو إيفرجرو حالة معزولة بالكامل داخل الاقتصاد، لأن تقارير الأعمال الأخيرة تحدثت عن ديون كبيرة في شركات أخرى. فقد زادت ديون حديد عز، بحسب تقارير متداولة، إلى 45.1 مليار جنيه خلال 2025، بينما اضطرت شركة القلعة خلال 2024 إلى إعادة هيكلة ديون بقيمة 4.5 مليار جنيه لتخفيف أعبائها. وهكذا خرج الملف من دائرة اسم واحد إلى صورة أوسع عن عبء التمويل.
النتائج المالية للشركات تكشف أن خفض الفائدة لم يصل سريعًا وأن قواعد الإقراض تحتاج مراجعة
قال مصطفى أمين، المحلل المالي بشركة برايم لتداول الأوراق المالية، إن العامل الأكثر ضغطًا على نتائج إيفرجرو هو تكلفة التمويل، التي بلغت 7.5 مليار جنيه خلال تسعة أشهر من 2025، وهو رقم يعكس عبئًا كبيرًا على هيكل الربحية. ويمنح هذا التوصيف القضية معناها العملي، لأن حجم التكلفة التمويلية صار نفسه عنصرًا يدفع الشركات نحو الاختناق حتى قبل مناقشة التشغيل والمبيعات.
ثم ظهرت الصورة نفسها في شركات أخرى خلال 2025، إذ ارتفعت المصروفات التمويلية لجهينة إلى 1.169 مليار جنيه بنهاية العام، مقابل 596.4 مليون جنيه في 2024، وتراجعت أرباحها الصافية بنحو 30.1 في المئة. كما شرح مصطفى أمين أن هذا التراجع لا يعود أساسًا إلى ضعف الطلب، بل إلى ارتفاع التكاليف التمويلية والمصروفات التشغيلية رغم استمرار الأداء الجيد للمبيعات.
كما أوضح أمين أن جهينة نفذت إنفاقًا رأسماليًا كبيرًا بنحو 2.9 مليار جنيه خلال 2025 لتوسيع أسطول النقل وتحسين الكفاءة التشغيلية وتطوير المصانع ورفع جودة الإنتاج، لكن هذا التوسع تزامن مع أجواء التشديد النقدي. وتكرر ارتفاع المصروفات التمويلية أيضًا في مجموعة طلعت مصطفى وفي موبكو، ما يؤكد أن ضغط الفائدة طال قطاعات متعددة ولم يتوقف عند الأسمدة أو الأغذية وحدها.
وفي هذا السياق، قالت آلاء أحمد، محللة الاقتصاد الكلي بشركة ثاندر لتداول الأوراق المالية، إن آلية انتقال السياسة النقدية لا تعمل بكفاءة، وإن خفض البنك المركزي للفائدة لا ينعكس سريعًا أو بقوة على تكلفة الاقتراض الفعلية في السوق. وشبهت الأمر بالضغط على فرامل سيارة لا تتوقف فورًا، ما يعني أن أثر التيسير النقدي يحتاج وقتًا طويلًا قبل أن يصل إلى الشركات والأفراد.
الغضب الشعبي يفتح سؤال النظام المصرفي لا سؤال العميل وحده
دخل أيمن نور على الخط من زاوية مختلفة، فكتب أن قضية الخشن وزوجته والأربعين مليارًا لا ينبغي أن تقرأ من زاوية الأشخاص فقط، بل من زاوية النظام وقواعد الإقراض قبل الانفجار. وأضاف أن القرض ليس مالًا يدفع فقط، بل قرارًا يتخذ، وأن الخطر لا يبدأ من سقوط العميل بل من لحظة منحه التسهيل الائتماني. وتكشف هذه الصياغة أن لب القضية ليس في التعثر النهائي وحده.
✴️الخشن وحرمه وال40 مليار..
— Ayman Nour (@AymanNour) April 2, 2026
وقواعد الإقراض قبل الانفجار؟ ✴️
بقلم د. أيمن نور
🔸 في كل أزمة مالية تتصدر المشهد، يعلو صوت الغضب، ويخفت صوت العقل والقواعد.
وبين الضجيج والحقائق، يظل السؤال الأهم معلقًا: هل نحن أمام تعثر طبيعي في نشاط اقتصادي، أم أمام خلل بنيوي في منظومة الإقراض…
ثم دعمت الخبيرة المصرفية سهر الدماطي هذا النقاش من زاوية فنية مختلفة، حين قالت إن أثر التشديد النقدي لم يصل إلى حد انتشار الإفلاس على نطاق واسع، وإن نسبة التعثر في مصر لا تزال بين 2 و3 في المئة من إجمالي المحافظ الائتمانية، وهي نسبة وصفتها بالطبيعية في العمل المصرفي. لكن هذا التطمين لم يُلغِ سؤال كيف تتراكم ديون بهذا الحجم على أسماء بعينها.
كما أكدت سهر الدماطي أن التشديد النقدي لم يكن من دون تكلفة، لكنه كان ضروريًا لتجنب كلفة أكبر على الاقتصاد ككل، وأن خفض الفائدة عملية تدريجية بطبيعتها ولا يظهر أثرها فورًا. ويعني ذلك أن النظام المصرفي يرى في السياسة الحالية ضرورة كلية، بينما يرى الرأي العام في حالات مثل الخشن دليلًا على أن التكلفة لا توزع بعدالة، وأن بعض العملاء يظلون في منطقة حماية خاصة.
بعد ذلك، عاد مصطفى شفيع ليؤكد أن معدلات الفائدة الحالية لا تزال ضاغطة على قطاع الأعمال، وأنها ما زالت أعلى كثيرًا من المستويات الطبيعية التي تدور بين 7 و8 في المئة، بينما تتجاوز 20 في المئة على مستوى السوق. وهذا التقدير يفسر كيف تستمر أعباء التمويل حتى بعد بدء التيسير النقدي في النصف الأول من 2025، ويجعل ملف الخشن جزءًا من أزمة أوسع لا مجرد استثناء فردي.
وأخيرًا، تكشف قضية محمد الخشن أن مصر لا تواجه فقط ملف تعثر رجل أعمال كبير، بل تواجه أيضًا اختبارًا لطبيعة الإقراض نفسه، ولحدود الشفافية بين البنوك وكبار العملاء، وللقدرة على الفصل بين التمويل المنتج والتمويل الذي يتحول إلى كرة ثلج. ولهذا لم يعد غضب الناس موجها إلى الخشن وحده، بل إلى منظومة كاملة تفتح أبواب المليارات للكبار ثم تغلقها في وجه الغلابة عند أول استحقاق.

