أعاد وزير المالية أحمد كجوك فتح ملف الأجور بإعلان زيادة استثنائية للمعلمين تتراوح بين ألف وألف ومئة جنيه، وزيادة للعاملين بالقطاع الطبي قدرها 750 جنيهًا تضاف إلى الزيادات الجديدة في الأجور، ضمن موازنة ترتفع فيها مخصصات الأجور إلى 679.1 مليار جنيه. لكن الإعلان جاء في بلد سبق أن سمع وعودًا مماثلة أكثر من مرة، بينما بقي التنفيذ محل شكوى متكررة من المعلمين والعاملين بالدولة مع كل موجة غلاء جديدة.

 

لم يأت هذا الإعلان في فراغ، لأن الحكومة نفسها رفعت الحد الأدنى لأجور العاملين بالدولة إلى 7000 جنيه اعتبارًا من يوليو 2025 بعد أن كان 6000 جنيه، وقدمت ذلك باعتباره استجابة لضغط المعيشة. لكن الأجر الذي يبدو أكبر على الورق يفقد جزءًا معتبرًا من معناه حين يقاس بالدولار أو بالأسعار الفعلية للسلع والخدمات، لا بالأرقام الاسمية التي تكررها البيانات الرسمية.

 

وعود متكررة قبل المواسم الضاغطة وتنفيذ يلاحقه الغضب والاعتراض

 

قال وزير المالية إن أقل درجة وظيفية ستحصل على زيادة شهرية لا تقل عن 1100 جنيه، بينما سيحصل المعلمون على زيادة استثنائية بين ألف وألف ومئة جنيه، والعاملون بالقطاع الطبي على 750 جنيهًا فوق الزيادات العامة. كما ربط الوزير هذه الخطوة ببدء تنفيذ الموازنة الجديدة، في محاولة لتقديمها باعتبارها علاجًا مباشرًا لضغط الأسعار على العاملين في التعليم والصحة.

 

لكن هذا الخطاب الرسمي سبقته سوابق قريبة لم تغلق ملف الشكوى، لأن الحكومة أعلنت في فبراير 2024 رفع الحد الأدنى للأجور إلى 6000 جنيه بدءًا من مارس، ثم عادت في فبراير 2025 لتعلن رفعه إلى 7000 جنيه من يوليو. وبين الزيادتين، استمرت الشكاوى من فجوة التنفيذ ومن أن الرفع الاسمي لا يضمن تلقائيًا تحسنًا حقيقيًا في مستوى المعيشة.

 

ثم ظهرت فجوة التطبيق بوضوح داخل قطاع التعليم نفسه، لأن وزارة التربية والتعليم اضطرت في 25 نوفمبر 2024 إلى مخاطبة المدارس الخاصة للتأكيد على ضرورة تطبيق الحد الأدنى للأجور للمعلمين. ويعني هذا الإجراء أن مشكلة الأجر لم تكن في الإعلان وحده، بل في أن قطاعات من سوق التعليم لم تكن ملتزمة أصلًا بما سبق أن تقرر رسميًا.

 

كما جاءت هذه الوعود في مناخ سبقته احتجاجات واعتصامات واسعة على خلفية الأجور والحوافز. فقد رصد تقرير “دام” 78 احتجاجًا عماليًا خلال 2025، وقال إن الأجور كانت الشرارة الأساسية في عدد كبير منها، بينما رصدت تقارير صحفية موجة إضرابات واعتصامات جديدة في نوفمبر 2025 للمطالبة بتحسين الأجور وظروف العمل. وهذا السياق يجعل الإعلان الحالي أقرب إلى محاولة تهدئة استباقية منه إلى تحول مستقر في سياسة الأجور.

 

القيمة الفعلية للزيادة تتراجع بالدولار ولا تغير وضع الرواتب جذريًا

 

عند قياس هذه الأرقام بسعر الصرف الرسمي الحالي، تتضح حدودها سريعًا. فسعر الدولار في البنك المركزي المصري بلغ 53.5566 جنيهًا للشراء في 1 أبريل 2026، وهو ما يعني أن زيادة 1100 جنيه تعادل نحو 20.5 دولارًا فقط، وأن زيادة ألف جنيه تعادل نحو 18.7 دولارًا، بينما تعادل زيادة 750 جنيهًا قرابة 14 دولارًا. وبذلك تبدو الزيادات المعلنة أقل بكثير من صورة “الزيادة الاستثنائية” التي تروجها الحكومة.

 

ثم تتأكد الصورة نفسها عند النظر إلى الحد الأدنى الجديد نفسه، لأن 7000 جنيه تعادل الآن نحو 130.7 دولارًا بالسعر الرسمي الحالي. وقد كانت وكالة أسوشيتد برس نقلت في مارس 2025 أن حد 7000 جنيه كان يعادل 138 دولارًا تقريبًا عند الإعلان عنه، بعد أن كان حد 6000 جنيه يعادل 118.58 دولارًا. وهذا يعني أن الزيادة الاسمية رفعت الرقم بالجنيه، لكنها أبقت العامل في نطاق دولارى محدود لا يقترب من تأمين حياة مستقرة.

 

وبسبب ذلك، يرى الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي أن حزم الحماية الاجتماعية التي تعلنها الحكومة لا تكفي في ظل اتساع دائرة الفقر وضعف فعالية الدعم المقدم للأسر. وقد كتب في مارس 2026 أن الشكوك تحيط بجدوى هذه الحزم مع تزايد الضغوط المعيشية واتساع عدد المتضررين. ويعزز هذا التقدير فكرة أن الزيادة الجديدة قد تتحول سريعًا إلى رقم فاقد الأثر إذا استمرت الأسعار في الصعود.

 

كما تظل المقارنة بالدولار كاشفة لحدود الخطاب الرسمي، لأن العامل الذي يحصل على رفع اسمي في راتبه يظل يواجه سعر صرف متقلبًا وارتفاعات متتالية في الوقود والنقل والسلع. وقد أشارت أسوشيتد برس إلى أن المصريين واصلوا مواجهة زيادات في الوقود وتكاليف المعيشة رغم إعلان رفع الحد الأدنى، ما يعني أن الزيادة على الورق لا تساوي بالضرورة حماية فعلية في السوق.

 

التعليم والصحة يواجهان نزيف الكوادر لأن الأجر لا يوقف التدهور

 

لا تبدو الأزمة أقل حدة في القطاع الطبي، لأن زيادة 750 جنيهًا المعلنة تأتي في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية من هجرة متسارعة للكفاءات. فقد قال نقيب الأطباء أسامة عبد الحي إن نحو 7000 طبيب شاب غادروا للعمل في الخارج خلال عام واحد، واعتبر أن الظاهرة تتزايد بصورة مقلقة. وهذا الرقم وحده يكشف أن المشكلة أعمق من علاوة محدودة تضاف إلى راتب متآكل.

 

ثم يؤكد تقرير صادر عن منصة السياسات البديلة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة أن انخفاض الأجور وتدهور ظروف العمل يمثلان سببين رئيسيين لهجرة الأطباء من مصر. ويعني ذلك أن الحكومة تعلن زيادة جديدة لقطاع يواصل فقدان عناصره الأساسية بالفعل، بينما لا تظهر في البيانات الرسمية أي معالجة جذرية للعلاقة بين الأجر الحقيقي وبين بقاء الأطباء داخل المستشفيات العامة.

 

كما يشرح الدكتور عبدالرحمن مصطفى، عضو مجلس نقابة الأطباء وأستاذ الجراحة العامة، أن ضعف الأجور مقارنة بالتكاليف المعيشية المرتفعة صار من الأسباب الرئيسية التي تدفع الأطباء إلى الهجرة. وتكشف هذه الشهادة أن زيادة 750 جنيهًا لا يمكن تقديمها باعتبارها حلًا جذريًا، لأن الأزمة ترتبط بخلل واسع في هيكل الأجر نفسه لا بإضافة هامشية مؤقتة عليه.

 

وفي الاتجاه نفسه، يربط تقرير “حلول للسياسات البديلة” أزمة هجرة الأطباء بالقصور الهيكلي داخل القطاع الصحي كله، لا بمشكلة إدارية محدودة. ولذلك تبدو الزيادة الجديدة أقرب إلى محاولة احتواء سريعة لحالة السخط، بينما تظل جذور الأزمة في ضعف الأجر الحقيقي وتراجع بيئة العمل وغياب الاستقرار المهني. وهذا المعنى ينسحب أيضًا على التعليم، حيث لا تكفي الوعود المتكررة لإقناع العاملين بأن التحسن هذه المرة سيكون فعليًا ومستدامًا.

 

وأخيرًا، يكشف الإعلان الأخير أن الحكومة ما زالت تدير ملف الأجور بمنطق الرقم الاسمي لا بمنطق القيمة الفعلية. فقد وعدت المعلمين بألف إلى ألف ومئة جنيه، ووعدت القطاع الطبي بـ750 جنيهًا، بينما لا تزيد هذه الأرقام اليوم على ما بين 14 و20.5 دولارًا بالسعر الرسمي. لذلك لا تبدو الزيادة الجديدة تحولًا حقيقيًا بقدر ما تبدو إعادة إنتاج لوعد قديم يتكرر قبل المواسم الضاغطة، ثم يترك العاملين وحدهم أمام سوق تبتلع الراتب قبل أن يصل إلى الجيب.