تدخل المواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى طورا أشد خطورة، بعدما انتقلت الضربات من منطق الرسائل المحدودة إلى منطق الاستنزاف المباشر للمدن والبنية الأساسية والممرات البحرية. ولم تعد المنطقة أمام جولة عابرة يمكن احتواؤها ببيان دبلوماسي، لأن الصواريخ التي دفعت القدس وتل أبيب إلى صافرات متكررة هي نفسها التي كشفت أن الحرب خرجت من غرف التقدير إلى قلب الحياة اليومية.

 

وتتعاظم خطورة هذا المسار لأن الحكومتين الأميركية والإسرائيلية تتصرفان كما لو أن الضغط العسكري وحده يكفي لحسم الملف الإيراني، بينما تثبت الوقائع الميدانية أن طهران ما زالت قادرة على الضرب وإرباك الدفاعات وإيلام العمق الإسرائيلي وتهديد الطاقة العالمية في وقت واحد. وعندما تتسع الحرب بهذا الشكل ثم تستمر واشنطن في إدارة الأزمة بمنطق الابتزاز للحلفاء، فإن المنطقة كلها تدفع ثمن رهانات لا تخص شعوبها.

 

اتساع الضربات يفضح حدود الردع

 

ثم أعلن الحرس الثوري الإيراني، عبر بياناته ووسائل الإعلام المقربة منه، تنفيذ موجات جديدة من عملية الوعد الصادق 4، وقال إن بعض الضربات استهدف نقاطا في بني براك وتل أبيب وبئر السبع ضمن موجات متلاحقة من الهجمات. ولم يتسن تأكيد كل هذه الأهداف على نحو مستقل، لكن المؤكد أن صافرات الإنذار والانفجارات سُمعت في القدس وتل أبيب مع استمرار إطلاق الصواريخ من إيران.

 

وبعد ذلك توسعت صورة الاشتباك داخل إسرائيل نفسها، إذ وثقت وكالات ومصادر إسرائيلية أضرارا في بني براك ومناطق بوسط البلاد، كما أظهرت صور رويترز دمارا في بني براك بعد إحدى الرشقات، فيما تحدثت تقارير إسرائيلية عن سقوط صاروخ قرب الخضيرة من دون إصابة مباشرة للبنية الكهربائية. وهذا يعني أن الاستهداف بات يضغط على العقد المدنية والاقتصادية حتى عندما يفشل في إصابة المنشأة المقصودة مباشرة.

 

كما رافق هذا التصعيد ارتباك واضح في الجبهة الداخلية الإسرائيلية، لأن مسارات الصواريخ والشظايا دفعت إلى إخلاءات موضعية وإصابات متفاوتة وتعطيل بعض الحركة الجوية والأنشطة العامة، بينما بقيت أرقام الخسائر عرضة للتبدل مع كل موجة. وقد أظهرت التغطيات الأخيرة أن بعض الضربات الإيرانية تمكنت من إحداث أضرار في مواقع متعددة بوسط إسرائيل، وهو ما أبقى الجبهة الداخلية تحت ضغط متواصل.

 

وفي هذا السياق قال مايكل نايتس، الباحث في معهد واشنطن، إن الهدف الأدنى لواشنطن وتل أبيب هو تقليص القدرة الهجومية الإيرانية إلى أقصى حد ممكن، خصوصا برنامج الصواريخ البعيدة. لكن هذه القراءة نفسها تؤكد أن الحرب لم تحقق بعد هذا الهدف بالكامل، لأن استمرار الرشقات الصاروخية الإيرانية يعني أن الردع لم يُستعد وأن القدرة على الإيلام ما زالت قائمة.

 

حرب بلا سقف من تل أبيب إلى طهران

 

لكن بنيامين نتنياهو يواصل الدفع نحو حرب مفتوحة من دون التزام بسقف زمني واضح، وقد نقلت تقارير عنه حديثا عن تحقيق “مكاسب كبيرة” في ثلاثة مسارات هي تقليص البرنامج النووي الإيراني وتعطيل برنامجه الصاروخي وتهيئة ظروف تغير داخلي أوسع. وهذا الخطاب لا يعكس ثقة بقدر ما يعكس إصرارا على مواصلة الحرب حتى مع غياب حسم نهائي واضح في الميدان.

 

وفي المقابل تعرضت طهران ومدن إيرانية أخرى لانفجارات وانقطاعات كهربائية واسعة، خصوصا في أجزاء من شرق العاصمة، بحسب شهادات وتقارير صحفية صدرت مع استمرار الغارات الأميركية والإسرائيلية. وقد قالت وسائل إعلام رسمية إيرانية إن فرقا فنية تعمل على استعادة الخدمة وتقييم الأضرار، بينما نقلت وكالة أسوشيتد برس صورة يومية لمدينة أنهكتها الحرب وفقدان الكهرباء والخدمات والأعمال.

 

ولذلك يكتسب رأي علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، أهمية خاصة حين يقول إن الولايات المتحدة وإسرائيل قد تكسبان المعارك عسكريا ثم تخسران الحرب سياسيا واستراتيجيا. فهذا التقدير لا يبرئ طهران، لكنه يشرح حدود الرهان على القصف وحده، لأن تدمير البنية والخطوط الإنتاجية لا يساوي بالضرورة إنتاج تسوية مستقرة أو نظام إقليمي أقل انفجارا.

 

كذلك يذهب تريتا بارسي، نائب رئيس معهد كوينسي، إلى أن واشنطن تركت دفة الحرب للمسار الإسرائيلي أكثر مما صاغت هي مسارا مستقلا يوقف التدهور. ويقول بارسي إن على ترامب أن يستعيد قرار الحرب من يد تل أبيب إذا أراد منع توسعها، لأن استمرار هذا النهج يجعل الميدان هو الذي يحدد السياسة لا العكس، ويفتح الباب أمام جولات أطول وأكثر كلفة.

 

هرمز والطاقة والوساطات في ظل التصعيد

 

ثم انتقل أثر الحرب من المدن إلى شرايين الاقتصاد العالمي، بعدما أعاد دونالد ترامب طرح فكرة أن على الدول المستفيدة من المرور النفطي أن تتولى بنفسها تأمين مضيق هرمز. وقد نقلت مجلة تايم ووكالة أسوشيتد برس أن الإدارة الأميركية تلوح بتحميل الحلفاء كلفة أمن الممر البحري بعد التوترات الأخيرة، وهو خطاب يكشف نزعة ابتزاز لا سياسة تحالف متماسكة.

 

كما وسعت هذه السياسة فجوة واشنطن مع حلفائها، لأن دعوات ترامب الصدامية جاءت بينما كانت أسواق الطاقة تتأثر فعلا بالحرب وبالخطر البحري. وقد ذهبت تغطيات حديثة إلى أن الرئيس الأميركي صعد لهجته ضد الدول التي لم تؤيد حملته على إيران، ما يعني أن البيت الأبيض لا يكتفي بإدارة الحرب، بل يحاول أيضا تحويلها إلى أداة ضغط اقتصادي وسياسي على حلفائه.

 

وفي الوقت نفسه برز الموقف الروسي على لسان سيرجي لافروف الذي طالب بوقف فوري للهجمات ووصف الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران بأنها عدوان مسلح غير مبرر، مع طرح موسكو لفكرة الوساطة واحتواء التصعيد. وهذا الموقف لا يصنع تسوية وحده، لكنه يوضح أن اتساع الحرب بدأ يدفع قوى دولية كبرى إلى التحرك خوفا من انفلات المشهد الإقليمي كله.

 

وبسبب ذلك لم تعد أخبار الضربات على ديمونا وإيلات وغوش دان وبئر السبع ومنصات الطاقة مجرد تفاصيل ميدانية منفصلة، لأن كل ساحة جديدة تدخل الاستهداف توسع كلفة الحرب وتضع الدفاعات الإسرائيلية تحت اختبار أشد. وبينما تؤكد بيانات إيرانية استهداف مواقع عسكرية واستراتيجية عدة، تواصل إسرائيل غاراتها المضادة داخل إيران وغربها، وهو ما يثبت أن الصراع دخل مرحلة تبادل عميق لا مرحلة ردود متقطعة.

 

وفي المحصلة تقف المنطقة في أبريل 2026 أمام حرب لم تعد تحتمل أوهام الحسم السريع ولا أكاذيب الضبط المحدود. فإيران ما زالت تضرب، وإسرائيل ما زالت توسع الغارات، وواشنطن ما زالت تدير الأزمة بمنطق القوة والابتزاز، فيما تبقى الشعوب والمدن والطاقة العالمية داخل دائرة الخطر. ولهذا فإن السؤال لم يعد متى تنتهي جولة التصعيد، بل من الذي سيدفع الكلفة الأكبر لحرب قررها الأقوياء وتركوا آثارها للجميع.