تباهى عبد الخالق عبد الله ومعه أصوات قريبة من أبو ظبي برواية تعتبر الإمارات صاحبة فضل سياسي على مصر منذ 2013، وتزعم أن القاهرة كانت على حافة السقوط وأن التدخل الإماراتي أنقذ الدولة ومنع تكرار نماذج سوريا وليبيا.

هذه الرواية لا تقدم نفسها كوجهة نظر عابرة، بل كصيغة سياسية كاملة تنقل مركز الثقل العربي من مصر إلى الخليج، وتعيد تعريف العلاقة بين البلدين على أساس الرعاية من طرف والاحتياج من طرف آخر.

كما أن صاحب هذه الرواية يكرر منذ سنوات أن الخليج صار مركز القيادة العربية الجديد، وأن الربيع العربي دفع الإمارات إلى توسيع تدخلها في الإقليم دفاعا عن نموذجها السياسي والأمني.

 

لكن هذا الخطاب، بصيغته الحالية، لا يقف عند حدود التباهي بالدور الإماراتي، بل يتحول إلى خطاب وصاية صريح على مصر، لأن وصف بلد بحجم مصر بأنه كان هشًا إلى هذا الحد ثم جرى إنقاذه بمال وسياسة من الخارج يعني عمليًا نزع الفاعلية عن المجتمع والدولة معًا.

كما أن هذا الخطاب يتجاهل كلفة ما جرى بعد 2013 على المجال السياسي المصري وعلى الاقتصاد وعلى فكرة الاستقلال الوطني نفسها، ويتجاهل أيضًا أن كثيرًا من الانتقادات التي لاحقت الدور الإماراتي لم تصدر من خصوم تقليديين فقط، بل من أصوات مصرية وسودانية ويمنية رأت في هذا التدخل عاملًا في تعميق الأزمات لا في حلها.

 

رواية الإنقاذ الإماراتية تصوغ مصر كتابع وتعيد تسويق الانقلاب كحماية

 

في هذا السياق يطرح عبد الخالق عبد الله رؤية تعتبر أن لحظة الخليج حلت محل لحظة مصر، وأن أبو ظبي أصبحت القوة العربية الأكثر تأثيرًا في الإقليم بفضل المال والاستقرار والقدرة على المبادرة.

هذا الطرح لا يقف عند حدود المقارنة بين موازين القوى، بل يعيد كتابة ما جرى في مصر بعد 2013 باعتباره تدخلًا حمائيًا ضروريا، لا تدخلًا سياسيًا خدم مشروعًا إقليميًا مضادًا للثورات وللديمقراطية الناشئة.

وبناء على ذلك تصبح عبارة الإنقاذ أخطر من مجرد توصيف سياسي، لأنها تحول الدعم الإماراتي إلى صك وصاية على القرار المصري.

فحين يجري تصوير مصر على أنها كادت تسقط ثم جرى انتشالها من الخارج، يصبح الانقلاب نفسه وكأنه عمل إنقاذي لا انقلابًا عسكريًا أنهى مسارًا ديمقراطيًا تشكل بعد الثورة.

وهذه الصياغة السياسية هي نفسها التي يعترض عليها منتقدو أبو ظبي لأنهم يرون فيها انتقاصًا مباشرًا من السيادة الوطنية المصرية.

 

كما أن هذا الخطاب يتجاهل أن القوة الإقليمية لا تقاس بالمال وحده، لأن مصر ما زالت تملك عناصر لا تختزل في الثروة، من بينها الكثافة السكانية والعمق الثقافي والوزن الجغرافي والقدرات العسكرية.

ولذلك فإن تحويل الفراغ العربي بعد 2011 إلى إعلان دائم عن نهاية الدور المصري ليس توصيفًا موضوعيًا، بل استخدام سياسي للحظة اضطراب عربي من أجل تثبيت مركز إقليمي جديد يقوم على التمويل والتأثير والاختراق لا على الشرعية الشعبية أو التاريخية.


https://x.com/Abdulkhaleq_UAE/status/2032140577731739892

 

وفي هذا الإطار يبرز رأي عبد الخالق عبد الله نفسه بوصفه الرأي الأول في هذا السجال، لأنه يقدم الإمارات باعتبارها الفاعل العربي الذي تحرك بعد الربيع العربي لمنع الفوضى وصيانة الدولة الوطنية.

غير أن هذا التوصيف الأمني يتجاهل أن الشعوب التي خرجت في 2011 خرجت من أجل الحرية والعدالة، وأن تحويل هذه المطالب إلى مجرد فوضى منح أبو ظبي مبررًا دائمًا للتدخل ضد أي مسار تغيير ديمقراطي في المنطقة.

 

من تمرد إلى السودان واليمن تتسع كلفة التدخل وتنهار رواية المساعدة

 

في امتداد لهذا المسار يرى مراقبون أن ما جرى في مصر لم يكن مجرد دعم اقتصادي أعقب 3 يوليو، بل كان جزءًا من مشروع إقليمي أوسع شاركت فيه أبو ظبي لإعادة هندسة المجال السياسي المصري.

وضمن هذا التصور يجري التعامل مع حركة تمرد بوصفها واجهة مدنية لعملية انتهت إلى انقلاب عسكري، بينما ظلت مراكز التمويل والإسناد السياسي تعمل في الخلفية لتثبيت الحكم الجديد وتمديد عمره.

هذا هو أصل الغضب من رواية الإنقاذ، لأنها تخفي ما يعتبره منتقدوها دورًا إماراتيًا في إجهاض التحول الديمقراطي لا في إنقاذ الدولة.

 

ومن ثم لم يعد الاعتراض المصري على هذا الدور مجرد اعتراض رمزي، بل صار مرتبطًا بحصيلة سياسية واقتصادية ملموسة.

فحسابات مصرية على منصة إكس تعاملت مع المساعدات الإماراتية باعتبارها أموالًا عادت على أبو ظبي بأرباح وأصول ونفوذ يفوق ما دخل إلى مصر أصلًا، بينما ربطت حسابات أخرى الدعم الإماراتي بحماية مصالح إسرائيل وبإطالة عمر النظام لا بإنقاذ المصريين.

هذه المواقف لا تمثل وثيقة رسمية، لكنها تعكس بوضوح مزاجًا مصريًا غاضبًا من خطاب التفضل والتبعية.


https://x.com/Zeinobia/status/2038668387170086916


https://x.com/pinocchiooo/status/2038552350374113454

 

وفي السياق نفسه يمتد الاتهام إلى السودان، حيث اتهم الفريق ياسر العطا، مساعد القائد العام للجيش السوداني وعضو مجلس السيادة، رئيس الإمارات محمد بن زايد بالضلوع في دعم الحرب عبر دعم قوات الدعم السريع والسعي إلى السيطرة على الأراضي والموارد والموانئ.

وتكمن أهمية هذا الاتهام في أنه صادر عن مسؤول عسكري سوداني رفيع، وأنه عكس مستوى غير مسبوق من التوتر الرسمي مع أبو ظبي، بما يهدم صورة المساعدة الإنسانية التي يكررها الخطاب الإماراتي.

 

كما تتكرر الصورة نفسها في اليمن، حيث تواصلت شكاوى محلية من السيطرة على الموانئ والجزر ومن التعامل مع الجنوب والسواحل والجزر باعتبارها نقاط نفوذ استراتيجي أكثر من كونها فضاءات سيادة يمنية كاملة.

ولذلك تبدو رواية الحماية في اليمن بعيدة عن الوقائع على الأرض، لأن التدخل الإماراتي يظهر في نظر كثير من اليمنيين مرتبطًا بالممرات البحرية والنفوذ الاقتصادي والعسكري، لا بإعادة بناء الدولة أو حماية المجتمع من الحرب وحدها.

 

وفي هذا الإطار يأتي رأي الدكتور حمزة زوبع بوصفه الرأي الثاني في التقرير، إذ اعتبر تصريحات عبد الخالق عبد الله خطيرة وتحمل تحديًا وإصرارًا على المضي في اتجاه مناقض لمصالح الأمة.

قيمة هذا الرأي لا تكمن فقط في حدته السياسية، بل في أنه يربط بين خطاب عبد الخالق وبين سلوك إماراتي أوسع يرى فيه خصوم أبو ظبي مشروعًا متكاملًا لتغليب النفوذ الإقليمي على مصالح الشعوب والدول.

 

الثورة المضادة وعمق الاصطفاف مع واشنطن وتل أبيب

 

في ضوء ذلك تكتسب شهادة ديفيد كيركباتريك أهمية خاصة لأنها لا تصدر عن خصم أيديولوجي مباشر للإمارات، بل عن مراسل سابق لصحيفة نيويورك تايمز كتب في كتابه Into the Hands of the Soldiers أن محمد بن زايد نظر إلى فوز محمد مرسي في انتخابات 2012 باعتباره خطرًا يهدد نموذج الحكم في الإمارات والمنطقة.

ووفق هذا السرد، لم تتعامل أبو ظبي مع التجربة المصرية بوصفها شأنًا داخليًا، بل بوصفها معركة إقليمية تمس مستقبل الحكم في الخليج نفسه.

 

ثم يضيف كيركباتريك أن أبو ظبي كثفت اتصالاتها بمسؤولين أمريكيين لإقناعهم بأن الإخوان لا يمكن الوثوق بهم، وأن استمرارهم في الحكم يضر بالمصالح الأمريكية والإسرائيلية.

وتنبع خطورة هذا الجزء من الرواية من أنه يضع الدور الإماراتي داخل شبكة تنسيق تتجاوز القاهرة إلى واشنطن وتل أبيب، بما يجعل إسقاط المسار الديمقراطي في مصر جزءًا من مشروع إقليمي أوسع لإعادة تشكيل المنطقة بعد 2011.

 

كما يؤكد كيركباتريك أن الدعم الإماراتي، ومعه السعودي، كان ماليًا وسياسيًا ومنظمًا في مرحلة ما قبل الانقلاب وما بعده، وأنه وفر أحد الأعمدة الأساسية التي استند إليها النظام الجديد في أيامه الأولى.

صحيح أن الكتاب لا يقدم رقمًا محددًا لهذا الدعم في المواضع المشار إليها، لكنه يقدم وصفًا واضحًا لحجمه وأثره السياسي، ويخلص إلى أن هذا الإسناد كان حاسمًا في نجاح الانقلاب واستمراره وترسيخ نموذج سياسي معادٍ للإسلاميين والديمقراطية معًا.

 

ومن ثم يصبح حديث الإنقاذ مجرد غطاء لغوي لمشروع مضاد للثورات، لأن الكتاب يضع أبو ظبي في قلب ما يسميه كثيرون الثورة المضادة، لا في موقع الدولة المانحة المحايدة.

وهذا ما يفسر أيضًا اتساق الخطاب الإماراتي مع التطبيع مع إسرائيل، إذ يقدم عبد الخالق عبد الله التطبيع كخطوة مفيدة للاستقرار، بينما يرى منتقدوه أن هذا الطرح تجاهل الغضب الشعبي العربي، خصوصًا بعد حرب غزة، وأعاد ربط الاستقرار الرسمي بالتحالف مع الاحتلال لا بحقوق الشعوب.

 

https://x.com/Zeinobia/status/2038668387170086916

 

https://x.com/pinocchiooo/status/2038552350374113454