أعادت قرارات ترشيد استهلاك الطاقة في المساجد فتح باب الغضب في مصر بعد أن نشرت صحف محلية أن الأمانة العامة للمجلس الأعلى للأزهر وجّهت بإجراء تعديلات في الملتقيات العلمية والبرامج النوعية وإضاءات المآذن وكذلك الدواخل، بالتوازي مع تعميم أصدرته وزارة الأوقاف لوقف إنارة المآذن والقباب والإضاءات الخارجية. هذا التسلسل وضع المساجد في قلب سياسة تقشف كشفت ضيق السلطة أكثر مما أخفته.
من قرار حكومي عام إلى تضييق مباشر داخل المساجد
جاءت البداية الرسمية، عندما عقد مصطفى مدبولي اجتماعا لمتابعة إجراءات ترشيد استهلاك المواد البترولية والكهرباء، وربط الاجتماع بين الترشيد وبين تدبير الموارد المالية اللازمة لشراء المنتجات البترولية وتأمين احتياجات البلاد. هذا الربط الحكومي نفسه أظهر أن السلطة تتعامل مع ضغط مالي حاد ثم تنقله تدريجيا إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين.
ثم انتقلت الخطة من المستوى الحكومي العام إلى المساجد مباشرة، عندما أصدر وزير الأوقاف أسامة الأزهري تكليفا عاجلا إلى قطاعات الوزارة ومديرياتها بعدم إنارة المآذن والقباب والإضاءات الخارجية الأخرى، مع الاكتفاء بالحد الأدنى من الإضاءة الداخلية الضرورية وقصر الفعاليات على ساعات النهار. هذه التعليمات لم تترك مجالا للالتباس لأن نصها المنشور كان مباشرا وصريحا.
وبعد ذلك اتسع الغضب لأن القرار لم يمس المباني الإدارية أو الشوارع فقط، بل وصل إلى أماكن العبادة نفسها، وهو ما جعل كثيرين يرون أن السلطة لم تعد تكتفي بتحميل المواطنين أعباء الغلاء والخدمات، بل مدّت سياسة الخفض إلى المساجد أيضا. هنا صار التضييق ملموسا للناس في مكان يرتبط بالعبادة اليومية لا بالنشاط الحكومي العادي.
كما أن الإشارة الواردة في القرار الصادر من توجيهات داخل المجلس الأعلى للأزهر تكتسب وزنا إضافيا لأنها تعني أن منطق الخفض لم يتوقف عند وزارة الأوقاف، بل امتد بحسب صحف محلية إلى الملتقيات العلمية والبرامج النوعية وإضاءات المآذن والدواخل. هذا الامتداد يكشف أن السلطة لم تبحث عن موضع بعيد عن الناس لتخفيض النفقات، بل دفعت بالقرار إلى فضاء ديني وتعليمي حساس.
السلطة استخدمت الحرب غطاء بينما بقيت الأزمة مصرية في أصلها وأثرها
قالت الحكومة في اجتماع خمسة وعشرين مارس إن الإجراءات تأتي في ظل تطورات إقليمية ودولية مرتبطة بالحرب الدائرة في المنطقة، لكن هذا التبرير نفسه فجّر سؤالا واسعا في الداخل المصري لأن مصر ليست طرفا مباشرا في تلك الحرب. لذلك رأى معارضون أن السلطة تستخدم التوتر الإقليمي ستارا لتبرير نقل كلفة أزماتها الداخلية إلى المواطنين حتى داخل المساجد.
ثم عززت الصحف المحلية هذا الفهم عندما نشرت أن وزارة الأوقاف بررت تعميمها بالمستجدات العالمية الراهنة التي لم يعد أحد بمنأى عن تأثيراتها. غير أن هذا التبرير لم يبدد الغضب لأن المواطن المصري لا يرى في حياته اليومية سوى سلطة تفرض مزيدا من القيود عليه، بينما تبقي أصل الاختلال المالي والإداري بعيدا عن المساءلة العامة.
وفي هذا السياق قال المهندس محمود عصمت إن قطاع الكهرباء يستهلك ما بين ثمانية وخمسين في المئة وستين في المئة من إجمالي استهلاك الغاز الطبيعي في مصر، كما أوضح أن تكلفة المليون وحدة حرارية من الغاز المستورد تصل إلى نحو عشرين دولارا بينما يجري توجيه الغاز إلى قطاع الكهرباء بسعر أقل بكثير. هذه الأرقام تكشف حجم الأزمة لكنها تكشف أيضا أن السلطة تديرها بالضغط على الاستهلاك الشعبي.
وبعد ذلك قدّم الدكتور محمد عبدالهادي أرقاما أكثر مباشرة حين قال إن تكلفة إنتاج الكهرباء في مصر تبلغ نحو جنيه وعشرة قروش للكيلووات، وإن العبء السنوي على الموازنة يصل إلى نحو مئتين وعشرين مليار جنيه، مع إمكانية توفير ما بين عشرة مليارات وعشرين مليار جنيه عبر الترشيد. هذه الشهادة تشرح الدافع المالي للقرارات، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن السلطة دفعت المجتمع كله لدفع ثمن إدارتها الفاشلة.
خبراء الطاقة ربطوا الترشيد بتوفير الغاز والنقد الأجنبي لا بتحسين حياة الناس
قال الدكتور حافظ سلماوي إن خطط ترشيد الكهرباء في مصر تستهدف في جوهرها توفير الغاز الطبيعي وتخفيف استهلاكه المحلي من أجل إتاحة كميات أكبر للتصدير أو لتقليل الضغوط على الإمداد. هذه الشهادة مهمة لأنها تسحب الغطاء الدعائي عن القرار، إذ تنقل المسألة من خطاب المصلحة العامة إلى منطق مالي واضح يجعل المواطن آخر من تُراعى مصلحته.
ثم أوضح سلماوي أن الدولة لجأت من قبل إلى استبدال جزء من الغاز المستخدم في محطات الكهرباء بالمازوت مع التوسع في الاعتماد على الطاقة المتجددة لتخفيف استهلاك الغاز. هذا السياق يبين أن إجراءات المساجد ليست خطوة منفصلة أو طارئة، بل حلقة جديدة في سلسلة خفض تتحرك فيها السلطة من قطاع إلى آخر بحثا عن وفورات بأي ثمن اجتماعي.
كما كشف اجتماع الحكومة نفسه أن الهدف لا يتعلق فقط بتوفير الطاقة، بل يمتد إلى تدبير الموارد المالية واحتواء فاتورة شراء المنتجات البترولية وتأمين احتياجات البلاد. وعندما تقر الحكومة بهذه اللغة أن المسألة مرتبطة بالتمويل وبالفاتورة الاستيرادية، فإنها تؤكد عمليا أن الأزمة ليست أزمة حرب بعيدة فقط، بل أزمة دولة تدير مواردها بعجز ثم تلجأ إلى التضييق على المواطنين لتغطية هذا العجز.
وبالتوازي مع ذلك نشرت تقارير أن الإجراءات الحكومية شملت خفض استهلاك الطاقة في قطاعات متعددة، وتأجيل بعض الأنشطة، وتقليص الإضاءة الخارجية، وهو ما يعني أن المساجد لم تكن استثناء بل صارت جزءا من خطة أوسع لتمرير التقشف. غير أن حساسية القرار في المساجد جعلته أكثر وضوحا للرأي العام وأشد إحراجا للسلطة التي ترفع باستمرار شعار الاستقرار والقدرة.
عندما تصل يد التقشف إلى المآذن تكشف السلطة عمق أزمتها لا قوتها
لهذا بدا المشهد بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المصريين أبعد من مجرد قرار إداري يخص الإضاءة أو الزينة، لأن السلطة التي ضيقت على الناس في الأسعار والخدمات والنشاط العام عادت لتضيق عليهم في أماكن العبادة نفسها. وعندما تمتد قرارات الخفض إلى المآذن والدواخل والفعاليات الدينية، فإن الرسالة التي تصل إلى الناس لا تتعلق بالترشيد وحده، بل بفشل إدارة يلاحقهم في كل مساحة.
وأخيرا يكشف هذا الملف أن السلطة لم تواجه أزمتها بالشفافية أو بالمحاسبة أو بمراجعة اختياراتها الاقتصادية، بل واجهتها بنقل الكلفة إلى المواطنين خطوة بعد خطوة. لذلك لم يأت الغضب من فراغ، لأن المصري الذي يسمع تبريرات الحرب وهو بعيد عنها يرى أمامه واقعا آخر أكثر قسوة، وهو أن السلطة تغطي فشلها بالتضييق حتى داخل المساجد.

