بدأت الأزمة بقرار حكومي صريح ثم تمددت بسرعة إلى المساجد، بعدما أعلنت الدولة في الأيام الأخيرة حزمة واسعة لترشيد استهلاك الطاقة، في وقت قال فيه مدبولي إن فاتورة استيراد الطاقة قفزت من نحو مليار ومئتي مليون دولار في يناير إلى نحو مليارين وخمسمئة مليون دولار في مارس، وهو رقم يكشف أن السلطة لم تعد تدير أزمة عابرة بل تتعامل مع ضيق مالي خانق يتسرب إلى كل مرفق عام.
قرار بدأ من أعلى ووصل إلى بيوت الله
أوضحت التعليمات الصادرة يوم الأحد 29 مارس أن وزارة الأوقاف طلبت وقف إنارة المآذن والقباب وكل الإضاءات الخارجية، مع تقليل الإنارة الداخلية إلى الحد الأدنى، وتأجيل أو تقليص الفعاليات المسائية، في إطار ما وصفته بمواكبة سياسة الدولة في ترشيد الموارد. لكن جوهر الصورة أبعد من مجرد ضبط استهلاك، لأن القرار حين يصل إلى المسجد نفسه فإنه يعلن بوضوح أن الأزمة صارت تمس أكثر المساحات حساسية في المجال العام.
ولفت هذا المسار الانتباه لأن حكومة الانقلاب لم تبدأ بالأعباء البيروقراطية الثقيلة ولا بمراكز الإنفاق السياسي المعروفة، بل دفعت بالقرار مباشرة إلى المجال الديني، وكأن الرسالة أن المجتمع هو المطالب دائمًا بتحمل الكلفة قبل السلطة. فبعد قرارات تقليص الوقود للسيارات الحكومية والعمل عن بعد وإبطاء المشروعات كثيفة الاستهلاك، جاءت المساجد لتصبح جزءًا من سلسلة ضغط متصاعدة تكشف اتساع دائرة الأزمة لا انحسارها.
ويؤكد الدكتور مصطفى بدرة، أستاذ التمويل والاستثمار، أن الموازنة الجديدة تتحرك تحت ضغط ارتفاع أسعار البترول والتوترات الجيوسياسية، بما ينعكس مباشرة على التضخم والسياسات المالية. غير أن استخدام هذا التفسير الرسمي لا يبرئ السلطة، بل يدينها أكثر، لأن دولة ترفع شعارات الاستقرار لسنوات ثم تصل إلى إطفاء المآذن لتخفيف الفاتورة، تكون قد أوصلت نفسها إلى لحظة ارتباك مالي فاضحة مهما تعددت المبررات الخارجية.
التفسير الحقيقي: أزمة طاقة تكشف مأزق الحكم لا مجرد ظرف عابر
ويبين تتبع القرارات الحكومية خلال مارس أن الدولة لم تتوقف عند المساجد، بل ذهبت إلى إبطاء المشروعات الحكومية كثيفة استهلاك السولار والبنزين لمدة شهرين، وخفض مخصصات الوقود للسيارات الحكومية بنسبة ثلاثين في المئة، مع التوسع في العمل عن بعد. وهذا التدرج الزمني مهم، لأنه يوضح أن قرار الأوقاف ليس استثناءً منفصلًا، بل حلقة داخل خطة تقشف اضطرارية فرضتها فاتورة استيراد متصاعدة وضغط متزايد على المالية العامة.
وأكد الدكتور جمال القليوبي، أستاذ هندسة البترول والطاقة، أن ما تتحمله الحكومة نتيجة ارتفاع أسعار المنتجات البترولية وصل إلى أرقام ضخمة، وأن السلطة تتحرك لترشيد الاستهلاك بهدف تقليل فاتورة الاستيراد. لكن هذه الشهادة نفسها تكشف جوهر المأزق، لأن نظامًا أنفق لسنوات على أولويات دعائية واستعراضية ثم انتهى إلى مطاردة استهلاك الكهرباء في المساجد، لا يواجه مجرد أزمة سوق، بل يواجه نتيجة مباشرة لسوء ترتيب الأولويات.
وفي ظل هذا المشهد، يصبح الحديث عن ترشيد عابر محاولة لتخفيف وقع الحقيقة لا أكثر. فالأرقام الرسمية المنشورة تربط بوضوح بين التصعيد الإقليمي وبين تضاعف فاتورة الاستيراد خلال أسابيع قليلة، لكن الأزمة لا تُقاس فقط بسبب خارجي طارئ، بل أيضًا بمدى هشاشة الداخل وقدرته على الاحتمال. وحين يكون أول ما تملكه الدولة هو إطفاء الضوء في المساجد، فإنها تعترف ضمنيًا بأن هوامشها المالية أضيق بكثير مما روجت له طويلًا.
الخلفية والنتيجة: سلطة تضغط على المجتمع وتترك أصل الخلل قائمًا
وأشار خبراء إلى أن ما يجري لا يمكن قراءته بمعزل عن ضغط الأسعار العالمية وتراجع القدرة على امتصاص الصدمات. وفي هذا السياق قال الدكتور محمد الشوادفي، أستاذ الإدارة والاستثمار، إن ترشيد الاستهلاك أصبح ضرورة حتمية في ظل ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم العالمي. لكن الضرورة شيء، وتحويل المجتمع وحده إلى ساحة لدفع الثمن شيء آخر، لأن المواطن يرى التقشف يهبط على حياته اليومية بينما يبقى أصل الاختلال السياسي والاقتصادي بلا مراجعة جادة.
ويرى متابعون أن حساسية القرار لا تأتي من قيمته الفنية في خفض الاستهلاك فقط، بل من رمزيته السياسية الثقيلة. فالمسجد في مصر ليس مجرد مبنى خدمي، وعندما تمتد إليه أوامر الإطفاء وتقليص الفعاليات، فإن السلطة ترسل إشارة قاسية إلى المجتمع بأنها دخلت مرحلة جمع الوفر من كل مكان مهما كان الأثر المعنوي. وهذه هي النتيجة الأخطر، لأن الإجراء هنا يوفّر كهرباء محدودة لكنه يبدد ما بقي من ثقة عامة.
وفي موازاة ذلك، تحاول الحكومة تقديم المسألة باعتبارها استجابة مؤقتة لظرف إقليمي ساخن، غير أن تسلسل القرارات واتساعها يوحيان بما هو أبعد. فعندما تتراكم إجراءات خفض الوقود، والعمل عن بعد، وإبطاء المشروعات، ثم وقف إنارة المآذن، فإن الصورة النهائية لا تقول إن الدولة تدير الموقف بكفاءة، بل تقول إنها تنقل ارتباكها المالي تدريجيًا إلى المجتمع، وتطلب من الناس التكيف مع عجز لم يصنعوه هم.
وأخيرا اختتمت السلطة هذا المسار بقرار يبدو صغيرًا في شكله، لكنه كبير في دلالته السياسية والمعنوية. فحين تصل قبضة التقشف إلى المساجد، لا يعود السؤال عن عدد المصابيح التي ستنطفئ، بل عن حجم الأزمة التي دفعت الحكم إلى هذا الحد. هنا لا يبدو المشهد إدارة رشيدة بقدر ما يبدو اعترافًا متأخرًا بأن نظام عبد الفتاح السيسي يضغط على المجال العام كله كي يؤجل دفع فاتورة اختياراته الثقيلة، فيما يبقى المجتمع وحده مطالبًا بتحمل العتمة.

