لم يعد برنامج بيع الأصول في مصر ملفًا اقتصاديًا عابرًا يمكن تغليفه بلغة "الشراكة" و"التخارج المنظم". الوقائع المنشورة نفسها تقول إن الحكومة تتحرك بسرعة أكبر كلما اقتربت مراجعات صندوق النقد الدولي، وإن ملف الطروحات صار أداة مباشرة لجلب الدولار وسد فجوات التمويل لا مسارًا هادئًا لإصلاح هيكل الاقتصاد.
الحكومة أعلنت نيتها طرح حصص في 11 شركة خلال السنة المالية 2025-2026، فيما توسعت القائمة الأوسع لبرنامج التخارج إلى 35 شركة، بالتزامن مع قانون جديد يزيل قيودًا قديمة على بيع الشركات المملوكة للدولة، ومع ضغط واضح من الصندوق لتسريع التنفيذ بعد انتقاد تباطؤ الحكومة في الجولات السابقة.
الأخطر أن هذا المسار لا يجري في فراغ. فالحكومة نفسها تتعامل مع البورصة ومع المستثمرين الاستراتيجيين باعتبارهم قناة إنقاذ سريعة لجلب العملة الصعبة، بينما يربط صندوق النقد بين استكمال مراجعته وبين تقدم "الإصلاحات الهيكلية" وفي مقدمتها تقليص بصمة الدولة والجيش في الاقتصاد. لذلك لم يعد السؤال هل توجد نية للبيع، بل كم أصلًا ستبيع الحكومة، وبأي سرعة، وتحت أي ضغط، وبأي ثمن سياسي واقتصادي واجتماعي.
صندوق النقد يضغط والحكومة ترد بتسريع البيع
منذ مراجعة الصندوق الرابعة، لم يعد النقد موجَّهًا إلى بطء التنفيذ بصيغة دبلوماسية فقط، بل صار أكثر مباشرة. الصندوق قال إن التقدم في برنامج التخارج أبطأ من المتوقع، وإن الجهود الرامية إلى تقليص دور الدولة لم تحقق الوتيرة المطلوبة، فيما ربطت تقارير لاحقة بين الإفراج عن شرائح جديدة من التمويل وبين استكمال بيع الأصول وتسريع الطروحات. كما أن الصندوق أتاح لمصر في فبراير 2026 نحو 2.3 مليار دولار جديدة، لكنه أبقى ملاحظاته على بطء الخصخصة قائمة، مع استمرار الضغط على الحكومة لتوسيع دور القطاع الخاص وتقليص الاعتماد على الدولة في النشاط الاقتصادي.
هذا الضغط لم يعد مجرد تقدير صحفي، لأن القانون رقم 170 لسنة 2025 نفسه جاء ليزيل عقبة قانونية طويلة كانت تمنع الهيئات العامة والبنوك والشركات المملوكة للدولة من تداول حصص شركات القطاع العام إلا في نطاق ضيق. النص الجديد أنشأ أيضًا وحدة حكومية خاصة بملف ملكية الدولة، مهمتها تقييم ما تحتفظ به الدولة وما تتخلص منه، وصياغة خطط الخروج وتقليل الفوائض العمالية بأقل كلفة مالية. المعنى السياسي واضح هنا: الحكومة لم تكتف بإعلان النية، بل أعادت هندسة القانون والإدارة حتى يصبح البيع أسرع وأسهل.
وفي هذا السياق اكتسب رأي الباحث في الاقتصاد السياسي عمرو عادلي أهمية خاصة. عادلي قال إن التداخل بين الصندوق السيادي والوحدة الجديدة ليس مستغربًا في بيروقراطية مصرية مليئة بالأجسام المتوازية، لكنه شكك في جوهر المشروع نفسه، معتبرًا أن الإعفاءات الواسعة داخل القانون تشير إلى أن الحكومة لا تتحرك انطلاقًا من قناعة حقيقية بالخروج من المجال الاقتصادي، بل تسعى أساسًا إلى عوائد مالية قصيرة الأجل تعوض عجزها عن توسيع الإيرادات الضريبية، مع احتفاظها بالسيطرة على الأصول التي لا تريد التفريط فيها. هذا التوصيف يضع المسألة في حجمها الحقيقي: ليس إصلاحًا، بل بيع انتقائي تحت ضغط التمويل.
11 شركة على المشرحة الآن.. وقائمة أوسع وصلت إلى 35 شركة
القائمة التي دفعت بها الحكومة إلى الواجهة في السنة المالية 2025-2026 لم تعد سرًا. وزارة المالية تحدثت عن 11 شركة تنوي الدولة بيع حصص فيها، من بينها خمس شركات مرتبطة بجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، بينما أكدت رئاسة الحكومة قبل ذلك أن بعض الطروحات سيتم عبر البورصة وبعضها عبر مستثمرين استراتيجيين. كما أن الحكومة رفعت نطاق التخارج كله إلى 35 شركة ضمن وثيقة ملكية الدولة، مع هدف معلن برفع مساهمة القطاع الخاص إلى 65 بالمئة من الاقتصاد بحلول 2025-2026.
وعلى المستوى العملي، تضم القائمة التي تدور حولها التحضيرات الحالية بنك القاهرة، وبنك الإسكندرية، ومحطة رياح جبل الزيت، وشركة الأمل الشريف للبلاستيك، ومصر للصناعات الدوائية، وشركة كيميكال إندستريز ديفلوبمنت، إلى جانب وطنية، وصافي، وشيل أوت، وسايلو فودز، والشركة الوطنية للطرق والبناء والتنمية. بعض هذه الكيانات مطروح للبيع عبر البورصة، وبعضها عبر شراكة مباشرة مع مستثمرين. الحكومة لا تخفي أن البنوك والطاقة والدواء والوقود والخدمات اللوجستية هي القطاعات التي تراها قابلة للتحويل السريع إلى سيولة.
الأشد دلالة أن أربع شركات عسكرية صارت في قلب العملية نفسها، لا على الهامش. صافي ووطنية كانتا مطروحتين منذ سنوات من دون حسم، ثم عادت الحكومة لتدفع بهما مجددًا، ومعهما شيل أوت وسايلو، في إقرار عملي بأن ما كان يُقدَّم طويلًا باعتباره "اقتصادًا سياديًا" صار الآن بندًا تفاوضيًا في برنامج بيع الأصول. كما أن تقارير لاحقة تحدثت عن تحضير ما يصل إلى ستة طروحات في البورصة قبل الربع الأول من 2026 بهدف جمع ما بين 5 و6 مليارات دولار، مع التعجيل بطرح بنك القاهرة وصافي ووطنية قبل مراجعات الصندوق المؤجلة.
وفي هذه النقطة تحديدًا يظهر تحذير تيموثي كالداس بوضوح. كالداس قال إن بيع الأصول بهذه الطريقة يجعل البلاد تخسر السيطرة على مواردها وهي تواصل في الوقت نفسه تراكم الديون. هذا التحذير لا يأتي من فراغ، لأن الضغوط الحالية لا تدار في سياق توسع إنتاجي واضح، بل في سياق نقص عملة أجنبية، واتساع فجوة تمويل، واعتماد على بيع حصص وأراضٍ وأصول استراتيجية لتأجيل الاختناق لا لعلاجه من جذوره. حين يصبح البيع نفسه بديلًا عن إصلاح الاختلالات، يتحول التخارج إلى استنزاف لا إلى إعادة هيكلة.
بيع سريع لسد الفجوة لا لإصلاح الاقتصاد
الصورة تصبح أكثر قسوة حين تُقرأ الأرقام معًا. من مارس 2022 إلى يونيو 2025 بلغت حصيلة البرنامج 5.86 مليارات دولار فقط، أي 48 بالمئة من هدف بلغ 12.2 مليار دولار إذا استُبعدت صفقة رأس الحكمة الضخمة. لكن بدل أن يدفع هذا التواضع الحكومة إلى مراجعة الفكرة نفسها، جرى التوسع في القائمة إلى 35 شركة، مع استهداف موجات جديدة من البيع، ومع سعي معلن لجمع ما يصل إلى 5 أو 6 مليارات دولار من إدراجات جديدة قبل الربع الأول من 2026. هذا معناه أن الحكومة تعالج فشل المراحل السابقة بمزيد من البيع، لا بمراجعة أسبابه.
الأكثر فجاجة أن التقارير الحكومية نفسها تعترف بأن المراحل اللاحقة من البرنامج كانت أضعف بكثير من البدايات. وثيقة حكومية نُقلت عبر تقارير اقتصادية قالت إن المرحلة الأولى نجحت في جمع 3.1 مليارات دولار من بيع ست شركات، لكن المراحل التالية شهدت هبوطًا حادًا في الإيرادات حتى وصلت إحدى المراحل إلى 142 مليون دولار فقط. ومع ذلك لا يبدو أن هذا التعثر أوقف الاندفاع، بل دفع الحكومة إلى تجميع مزيد من الأصول على طاولة البيع واستدعاء البورصة كمنصة إنقاذ مالي سريع.
وفي هذا السياق تبدو قراءة الباحثة ميريت فكري مبروك ذات دلالة مهمة، لأنها ربطت بين ضعف حصيلة الخصخصة وبين اتساع حاجة الدولة إلى الاستثمار الأجنبي المباشر، مؤكدة أن الحكومة أصبحت في وضع "يكاد يكون افعل أو مت" بعد أن أخفقت في تحقيق المستهدفات السابقة، وبعد أن أشار الصندوق إلى أن عوائد الخصخصة الهزيلة ساهمت في فجوة الفائض الأولي للموازنة. هذا الكلام يعني أن البيع لم يعد خيارًا إضافيًا داخل الخطة، بل صار شرطًا لتسكين أزمة التمويل وإعطاء إشارة للأسواق بأن البلاد لا تزال "مفتوحة للأعمال" حتى لو كان الثمن هو بيع المزيد من الأصول العامة.
الخلاصة أن الحكومة لا تبيع 11 شركة فقط، بل تدفع البلاد كلها إلى منطق البيع تحت الطلب. تحت ضغط الصندوق، وتحت ضغط الدولار، وتحت ضغط فجوة التمويل، صار كل شيء قابلًا للإدراج: بنوك، دواء، طاقة، وقود، غذاء، وكيانات عسكرية كانت تُقدَّم باعتبارها خارج السوق أصلًا. لذلك لا يبدو المشهد كخطة تنموية متوازنة، بل كبرنامج جباية بالدولار من أصول الدولة. وما دام الهدف الفوري هو إرضاء الصندوق وتسريع المراجعات وجمع أكبر سيولة في أقصر وقت، فإن السؤال لن يكون فقط من يشتري، بل ماذا يتبقى أصلًا بعد أن تنتهي موجة البيع الحالية.

