أعلنت الحكومة مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026 و2027 باعتباره الأكبر في تاريخ مصر، بمصروفات تصل إلى 5.1 تريليون جنيه وإيرادات تبلغ 4 تريليونات جنيه. لكن تضخم الأرقام لا يعني تحسنا في حياة الناس، لأن جوهر الموازنة يقوم على توسيع الجباية، وتقليص عبء الدين شكليا، مع إبقاء المواطن نفسه المصدر الأسهل لسد الفجوة بين الإنفاق والعجز.
أرقام ضخمة تخفي أزمة أعمق في هيكل الموازنة
أوضحت الحكومة أنها تستهدف زيادة المصروفات بنحو 600 مليار جنيه، مع تخصيص 832.3 مليار جنيه للحماية الاجتماعية و90 مليار جنيه لتحفيز النشاط الاقتصادي. لكن هذه البنود، رغم ضخامتها، لا تغير حقيقة أن الموازنة ما زالت واقعة تحت سطوة الفوائد، بعدما التهمت 54 في المئة من مصروفات العام المالي 2025 و2026، وهو ما يكشف أن الدولة تدير أزمة دين لا خطة تنمية.
ولفتت الموازنة إلى سعي الحكومة لخفض الدين العام إلى 78 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي وتقليص العجز الكلي إلى 4.9 في المئة بحلول يونيو 2027. لكن هذا الهدف لا يأتي من إصلاح إنتاجي واسع أو من نمو حقيقي في الصناعة والزراعة، بل من ضغط مالي متواصل يوسع التحصيل الضريبي ويضيق أكثر على مجتمع يتحمل أصلا موجات غلاء متلاحقة.
الحماية الاجتماعية في الوثيقة يقابلها ضغط جبائي في الواقع
أكدت وثائق الموازنة أن الحكومة تريد توفير مساحة أكبر للإنفاق على المواطنين، لكنها في الوقت نفسه تطرح حزمة إصلاحات ضريبية لتوسيع القاعدة الضريبية وضم الاقتصاد غير الرسمي وفرض ضريبة على توزيعات أرباح الشركات المملوكة للدولة. وهذا يعني أن الحديث عن الحماية الاجتماعية يأتي متزامنا مع خطة أوسع لتحصيل مزيد من الأموال من سوق يعاني أصلا من الإنهاك.
وأشار الدكتور هشام إبراهيم إلى أن الموازنة تراهن على تحسن الإيرادات الضريبية وفوائض الشركات العامة، لكنه حذر من أن أسعار النفط والأزمات الإقليمية قد تضغط على التنفيذ. ويكشف هذا التقدير أن الحكومة تبني مشروعها المالي على افتراضات هشة، ثم تترك للمواطن النتيجة المعتادة إذا تعثرت الحسابات، وهي تحميله أعباء إضافية تحت أي مسمى مالي أو إصلاحي.
الحرب والطاقة والأسواق قد تسقط الحسابات الحكومية سريعًا
أوضحت التطورات الإقليمية، خصوصا الحرب على إيران وارتفاع أسعار الطاقة، أن الموازنة الجديدة لا تتحرك في بيئة مستقرة تسمح للحكومة بوعود سهلة. فكل زيادة في النفط، وكل تراجع في السياحة أو الصادرات، ستضغط على بنود الإنفاق والعجز والدين معاً. وبذلك تبدو الموازنة أقرب إلى وثيقة طموح حكومي متعجل منها إلى خطة قابلة للتنفيذ من دون كلفة اجتماعية باهظة.
ولفت خبراء الاقتصاد إلى أن استمرار رفع الإيرادات الضريبية وضم الاقتصاد غير الرسمي قد يترجم عمليا إلى مزيد من الأعباء على الشركات الصغيرة والمتوسطة وعلى أصحاب الدخول المحدودة. وهذا هو الجانب الذي تخفيه اللغة الرسمية، لأن الحكومة لا تقول بوضوح إن تحسين المؤشرات على الورق قد يتم عبر انتزاع موارد جديدة من مجتمع لم يتعاف أصلا من أزماته المتلاحقة.
وختاما فمشروع موازنة 2026 و2027 فإن الحكومة ما زالت تدير الاقتصاد بمنطق الأرقام الكبيرة لا بمنطق الأثر الحقيقي على الناس. فهي تعلن أكبر موازنة في التاريخ، لكنها لا تحل معضلة الفوائد، وتوسع الجباية، وتبقي تنفيذ الوعود رهنا بسوق مضطرب وحرب مفتوحة وأسعار طاقة ملتهبة. ولذلك، فإن الوجه الأوضح للموازنة ليس الحماية الاجتماعية كما تقول السلطة، بل نقل كلفة الاختلال المالي إلى المواطن مرة جديدة.

