دخلت الحرب على إيران، اليوم الأحد، شهرها الثاني بعدما تحولت الضربات التي بدأت في ٢٨ فبراير إلى حملة عسكرية مفتوحة تضرب مدناً إيرانية وتستدعي رداً صاروخياً متكرراً على إسرائيل.
وامتد أثر الحرب إلى أكثر من ساحة في الشرق الأوسط، فيما ارتفعت الحصيلة البشرية واتسع اضطراب الطاقة والتجارة على نحو دفع مراقبين إلى وصفه بأخطر هزة تشهدها الإمدادات العالمية منذ سنوات.
تصعيد ميداني يضرب طهران والمدن الإيرانية
وأوضح الجيش الإسرائيلي أن سلاحه الجوي نفذ خلال الساعات الماضية ضربات استهدفت مقرات مؤقتة للنظام الإيراني في طهران، وقال إن قادة نشطين كانوا داخل تلك المقرات وقت الاستهداف.
وأضاف الجيش أن السلطات الإيرانية نقلت بعض مقارها إلى شاحنات متنقلة، لكنه أعلن تدمير عدد منها، مع توسيع القصف ليشمل مواقع تخزين الصواريخ الباليستية ونقاط المراقبة داخل العاصمة.
ولفتت وسائل إعلام إيرانية إلى أن القصف لم يقتصر على طهران، إذ سمع دوي انفجارات في تبريز شمال البلاد وفي خرم آباد غربها، كما سجلت انفجارات ضخمة غرب طهران وقرب موقع تابع للحرس الثوري.
وأشارت التقارير نفسها إلى استهداف صالة في مطار بوشهر جنوب البلاد، وإلى سقوط خمسة قتلى في غارة على رصيف بحري في هرمزغان، بما يؤكد اتساع نطاق الضربات وتعدد أهدافها.
وفي موازاة ذلك، أفادت مراسلة “العربية” و”الحدث” بإطلاق صفارات إنذار في ديمونة وصحراء النقب بعد رصد صواريخ أطلقت من إيران نحو إسرائيل، بينما تحدث إعلام إسرائيلي عن صفارات إنذار في الجليل الغربي تحذيراً من تسلل مسيرات.
وأعلن الجيش الإسرائيلي لاحقاً أن هذه الجولة مثلت الموجة الثالثة من غاراته في يوم واحد، وأنها استهدفت عشرات المواقع التابعة للنظام الإيراني.
تقديرات الضرر تتسع والخبراء يحذرون من حرب أطول
وأكد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أن الضربات ألحقت أضراراً جسيمة بالبرنامج النووي الإيراني، لكنه امتنع عن التعليق على ملف اليورانيوم الموجود تحت الأرض.
وبالتوازي مع ذلك، قال إعلام إسرائيلي إن تقديرات الجيش تشير إلى تعطيل نحو سبعين في المئة من الصناعات العسكرية الإيرانية، وإلى الاقتراب من استهداف نحو تسعين في المئة من المواقع الرئيسية المخصصة لتطوير الأسلحة، وهي أرقام تكشف حجم الرهان الإسرائيلي على شل البنية العسكرية لا احتواءها فقط.
ويبين مسار الضربات أن التقديرات الإسرائيلية لا تلغي استمرار القدرة الإيرانية على الرد، إذ نقلت تقارير استندت إلى معلومات استخبارية أميركية أن الولايات المتحدة وإسرائيل دمرتا حتى الآن نحو ثلث ترسانة إيران من الصواريخ والمسيرات فقط.
وفي السياق نفسه، أشار معهد أبحاث الحرب الأميركي إلى استهداف شركة الصناعات البحرية الإيرانية في بوشهر، ومطار بوشهر وقاعدته الجوية القريبة، وقاعدة الصواريخ في يزد للمرة السادسة.
وفي ظل هذه المعطيات، رأى علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، أن الحرب التي فتحتها واشنطن وتل أبيب تجاوزت منطق الضربة المحدودة، لأن مسارها الحالي يجعل وقفها أكثر صعوبة كلما طال أمدها.
كما كتبت سانام وكيل من تشاتام هاوس أن سياسة إيران الإقليمية القديمة انقلبت إلى عبء مباشر على النظام، لكنها لم تسقط قدرته على الصمود السريع تحت القصف.
التحرك الأميركي يتسع والنتائج تتجاوز الميدان الإيراني
وأشار ما نقلته صحيفة “واشنطن بوست” عن مسؤولين أميركيين إلى أن البنتاغون يستعد لأسابيع من العمليات البرية المحتملة داخل إيران، مع إبقاء القرار النهائي بيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وقال البيت الأبيض إن إعداد هذه الخيارات لا يعني صدور قرار بالتنفيذ، لكن النقاش شمل السيطرة على جزيرة خارك وشن غارات على مناطق ساحلية قرب مضيق هرمز، مع تقدير بأن العملية المحتملة قد تمتد شهرين وتشمل قوات خاصة ومشاة تقليدية.
وفي موازاة ذلك، دفعت الإدارة الأميركية بتعزيزات إضافية إلى المنطقة، بعدما نشرت قوات من مشاة البحرية وتحدثت تقارير عن إرسال آلاف الجنود من الفرقة الثانية والثمانين المحمولة جواً.
كما أكدت تقارير أميركية إصابة أكثر من ثلاثمائة عسكري أميركي خلال الحرب، في وقت تتسع فيه دائرة الاشتباك من داخل إيران إلى قواعد وممرات حيوية في الخليج، بما يجعل التحشيد العسكري جزءاً من إدارة حرب مفتوحة لا مجرد إجراء ردعي مؤقت.
ويرى ولي نصر، أستاذ العلاقات الدولية، أن طول الحرب يمنح طهران فرصة لاستخدام ما تبقى من قدرتها الصاروخية على مدى زمني أطول، وهو ما يفسر استمرار الرشقات رغم كثافة القصف.
ويعزز هذا التقدير ما تظهره الوقائع الميدانية من أن الضربات الواسعة أضعفت منشآت ومواقع، لكنها لم توقف بعد قدرة إيران على الإطلاق ولا قدرتها على توسيع كلفة المواجهة على خصومها.
خاتمة
وأكدت تطورات اليوم أن الحرب انتقلت من مرحلة الضربات الثقيلة إلى مرحلة إعادة تشكيل الميدان السياسي والعسكري في المنطقة كلها.
فإسرائيل تواصل استهداف مراكز القيادة والتخزين والتطوير داخل إيران، والولايات المتحدة توسع خياراتها العسكرية، وإيران ترد بما تبقى لديها من صواريخ وقدرة إرباك.
ولهذا، فإن الشهر الثاني لا يبدأ بتهدئة قريبة، بل بوقائع تثبت أن الحرب تتسع وأن كلفتها تتضاعف على الأرض وفي الاقتصاد معاً.

