فرضت السلطات الإسرائيلية منذ الثامن والعشرين من فبراير إغلاقًا كاملًا على المسجد الأقصى، ثم واصلت الإجراء طوال مارس تحت غطاء التعليمات الأمنية المرتبطة بالحرب على إيران، مع تشديد الحصار على البلدة القديمة ومنع آلاف الفلسطينيين من الوصول إلى المسجد أو الصلاة عند أبوابه. ومع دخول الإغلاق أسبوعه الرابع، لم يعد القرار تفصيلًا أمنيًا عابرًا، بل صار واقعة سياسية ودينية مفتوحة تكشف اتجاهًا أخطر في القدس.
حصار يبدأ من الأبواب ويمتد إلى البلدة القديمة
أوضح المشهد الميداني أن الإغلاق لم يقتصر على إقفال أبواب الأقصى، بل شمل فرض طوق أمني واسع على البلدة القديمة نفسها، مع نشر الحواجز وتشديد التفتيش ومنع المصلين من المرور نحو المسجد أو التوقف في محيطه القريب. وبذلك نقلت إسرائيل الإجراء من مستوى التحكم في الدخول إلى مستوى عزل المكان عن امتداده الطبيعي داخل القدس، وهو ما جعل الحصار أوسع من حدود الساحات والأبواب.
ولفتت الوقائع المتتابعة إلى أن سلطات الاحتلال أبقت داخل المسجد عددًا محدودًا فقط من حراس الأوقاف وموظفيها، فيما مُنع جمهور المصلين من الوصول إليه، ثم جرى تضييق الحركة حتى على الشوارع المؤدية إلى البلدة القديمة. هذه الصيغة تكشف أن القرار لم يُصمم لإدارة وضع أمني مؤقت، بل لفرض أقل حضور فلسطيني ممكن داخل المكان وفي محيطه المباشر أيضًا.
وفي ظل هذا الإغلاق، قال الشيخ عكرمة صبري، خطيب المسجد الأقصى ورئيس الهيئة الإسلامية العليا في القدس، إن الاحتلال لا يملك مبررًا حقيقيًا لإغلاق المسجد، وإن الهدف الفعلي هو فرض الهيمنة عليه وسحب صلاحيات الأوقاف الإسلامية تدريجيًا. وتكتسب هذه الشهادة ثقلها من موقع صبري الديني والمؤسسي، لأنها تربط بين القرار التنفيذي اليومي وبين مشروع أوسع يستهدف السيطرة على إدارة المسجد نفسه.
ذريعة الحرب تتآكل مع طول مدة الإغلاق
ويبين استمرار الإغلاق بعد مرور أسابيع على بدء التصعيد أن التبرير الأمني الذي رفعته إسرائيل بدأ يفقد تماسكه كلما طال أمد المنع من دون إعلان واضح عن موعد إعادة فتح المسجد. فحين يتحول الإجراء المؤقت إلى حالة ممتدة، يصبح السؤال مشروعًا عن السبب الحقيقي لاستمرار الحصار، خاصة أن إسرائيل واصلت تمديد القيود بينما بقيت القدس تحت سياسة المنع نفسها من غير تفسير مقنع.
وأكد الباحث في شؤون القدس زياد إبحيص أن ما يجري يتجاوز فكرة الحماية أو الاحتراز، لأن الاحتلال يستخدم الحرب ذريعة لتفريغ الأقصى من المصلين ودفع المدينة نحو مرحلة جديدة من السيطرة الكاملة على المسجد. وتأتي أهمية هذا التقدير من أنه يقرأ الإغلاق كخطوة مقصودة لا كاستجابة اضطرارية، ويربط بين إفراغ المكان من الناس وبين السعي إلى تغيير الوضع القائم بالقوة.
وفي موازاة ذلك، ظهرت مؤشرات إضافية على أن الإغلاق ليس معزولًا عن سياق أوسع من التضييق، إذ واصلت سلطات الاحتلال إصدار قرارات إبعاد ومنع بحق ناشطين ومصلين في القدس، بما يعزز فكرة أن السياسة الحالية لا تستهدف لحظة محددة بل تستهدف البيئة البشرية التي تحمي الأقصى وتثبت حضوره الإسلامي اليومي. ومن هنا يبدو الإغلاق جزءًا من مسار متصل لا حادثًا منفصلًا.
الخلفية الدينية تتسع والنتيجة تصيب هوية المدينة
ويرى متابعون أن أخطر ما كشفه الإغلاق هو أثره المباشر على صورة القدس الدينية كلها، بعدما امتدت القيود إلى البلدة القديمة ومواقع مقدسة أخرى، بينها كنيسة القيامة، بما أظهر أن المدينة دخلت مرحلة شلل تعبدي واسع فرضته الإجراءات الإسرائيلية نفسها. وهذه الخلفية تعني أن المسألة لم تعد مقصورة على باب من أبواب الأقصى، بل على حق الناس في الوصول إلى قلب القدس الديني أصلًا.
وأشار هذا التوسع في الإغلاق إلى نتيجة واضحة على الأرض، إذ اضطر الفلسطينيون إلى الصلاة في الطرق القريبة أو في مساجد الأحياء، بينما بدت البلدة القديمة شبه فارغة من حركتها المعتادة. وحين تُنتزع الصلاة من مكانها الطبيعي وتُنقل قسرًا إلى الشارع أو الهامش، فإن السلطة القائمة لا تكون قد نظمت الحركة فقط، بل تكون قد أعادت ترتيب العلاقة بين الناس والمقدس تحت الإكراه المباشر.
فيما أكد الخبير في شؤون المسجد الأقصى عبد الله معروف أن الإغلاق يمثل اختبارًا مقصودًا وتمهيدًا لفرض واقع إداري جديد داخل المسجد بعد الحرب، لأن الاحتلال يريد قياس قدرته على تنفيذ تغييرات واسعة في أصعب الأوقات ثم البناء عليها لاحقًا. ويكشف هذا التوصيف أن الخطر لا يقف عند حدود الإغلاق نفسه، بل يمتد إلى ما يمكن أن يُبنى عليه من ترتيبات جديدة في أبريل وما بعده.
وأخيرا أثبتت الأسابيع التي تلت قرار الثامن والعشرين من فبراير أن إسرائيل لا تستخدم الحرب لتبرير إغلاق الأقصى فقط، بل لتجريب مستوى جديد من السيطرة على القدس تحت عنوان الأمن. ولهذا فإن القضية اليوم لا تتعلق بمدة الإغلاق وحدها، بل بما إذا كان الاحتلال سينجح في تحويل المنع الاستثنائي إلى قاعدة قابلة للتكرار، وفي تحويل الصمت الدولي إلى شريك فعلي في إعادة رسم هوية المدينة بالقوة.

