أعادَ قرار الحكومة تطبيق الإغلاق بعد التاسعة مساءً، اعتبارًا من الثامن والعشرين من مارس، طرحَ سؤال مباشر عن الكلفة الحقيقية التي سيدفعها الاقتصاد المصري تحت عنوان ترشيد الطاقة. فالقرار لم يأت باعتباره إجراءً متوازنًا يشمل الجميع، بل جاء محمّلًا باستثناءات سريعة لمدن ومحافظات ومنشآت سياحية، بما كشف منذ اللحظة الأولى أن الحكومة نفسها تخشى تعميم القرار على قطاعات تعرف أنها لا تحتمل هذه الصدمة.
وأوضح هذا المشهد أن الدولة بدأت من قرار واسع ثم عادت عمليًا إلى تقليص أثره على القطاعات القادرة على جلب النقد الأجنبي، وهو ما ظهر في استثناء جنوب سيناء والأقصر وأسوان والغردقة ومرسى علم، إلى جانب المنشآت السياحية في نطاق القاهرة والجيزة. وحين تبدأ السلطة بالإغلاق ثم تسرع إلى فتح أبواب جانبية للاستثناء، فهي تقر ضمنيًا بأن القرار نفسه غير قابل للتطبيق الاقتصادي المتساوي.
ولفت هذا الترتيب إلى أن الحكومة لا تدير سوقًا مستقرة، بل تدير اقتصادًا مضغوطًا يحاول النجاة بقرارات سريعة لا تعالج أصل الأزمة. فبدل أن تقدم خطة واضحة لتوزيع أعباء الترشيد بعدالة، اختارت الحل الإداري الأسهل، وهو تقليص ساعات النشاط التجاري، ثم لجأت بعد ذلك إلى حماية القطاعات التي تخشى خسارة دخلها سريعًا، وفي المقدمة منها السياحة.
ترشيد الطاقة في الخطاب الرسمي وخسارة السوق في الواقع
ويبين السبب المعلن للقرار أن الحكومة تتحرك تحت ضغط فاتورة طاقة متصاعدة، وهو ما جعلها تبرر الإغلاق المبكر باعتباره ضرورة لتقليل الاستهلاك. لكن هذا التبرير، حتى لو بدا مفهومًا من زاوية مالية ضيقة، لا يجيب عن سؤال أكثر إلحاحًا، وهو لماذا جرى تحميل الأسواق والمحال والمطاعم والكافيهات العبء المباشر بدل البحث عن بدائل أكثر كفاءة وأقل تدميرًا لدورة البيع اليومية.
وأكد الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن القرار محترم ويتسق مع ظروف المرحلة، معتبرًا أن ضغط الطاقة يفرض إجراءات لا يمكن تجاهلها. غير أن هذا الرأي، رغم وجاهته من زاوية الانضباط المالي، لا ينهي الجدل لأن الاقتصاد لا يقاس فقط بما توفره الدولة من استهلاك في ساعات المساء، بل كذلك بما تخسره من حركة شراء وتشغيل وأجور يومية في قطاعات تعتمد أصلًا على تلك الساعات.
وفي موازاة ذلك، تكشف طبيعة السوق المصرية أن الساعات الأخيرة من اليوم ليست هامشية كما قد تتصور المكاتب الحكومية. فالكثير من الأنشطة الصغيرة والمتوسطة لا يبدأ زحامه الحقيقي إلا بعد انتهاء ساعات العمل الرسمية، ما يعني أن الإغلاق المبكر لا يقلص الإضاءة فقط، بل يقلص الطلب نفسه. وهنا يتحول القرار من إجراء مؤقت للترشيد إلى ضربة مباشرة لهوامش الربح الضعيفة أصلًا.
وأشار هذا الأثر المتوقع إلى مشكلة أعمق من مجرد توفير الكهرباء، وهي أن الدولة تبدو وكأنها تعالج الفاتورة الشهرية السريعة قبل أن تعالج اختلالات الإدارة الاقتصادية نفسها. فالقرارات التي تضغط النشاط التجاري في لحظة يعاني فيها الاستهلاك من ضعف القدرة الشرائية لا تبدو إصلاحًا، بل تبدو نقلًا منظمًا للخسارة من أجهزة الدولة إلى التجار والعاملين وصغار أصحاب الأعمال الذين لا يملكون ترف الاحتمال الطويل.
الغرف التجارية ترى أن البدائل موجودة لكن الحكومة اختارت الطريق الأسهل
وفي ظل هذه الاعتراضات، جاء موقف اتحاد الغرف التجارية ليكشف أن السوق لا يرفض الترشيد في ذاته، بل يرفض الطريقة التي اختارتها الحكومة. فقد قال الدكتور علاء عز، مستشار رئيس الاتحاد، إن الغرف تدرس بدائل لترشيد الاستهلاك من بينها تبكير بدء العمل إلى السابعة صباحًا بدلًا من خفض ساعات التشغيل مساءً، وهي صيغة تعني ببساطة أن الإدارة اختارت المسار الأسهل رقابيًا لا المسار الأقل ضررًا اقتصاديًا.
ويؤكد هذا الطرح أن المشكلة لم تكن في غياب الخيارات، بل في غياب الإرادة لاختيار ما يحد من الخسارة. فحين يطرح ممثلو التجارة بديلًا يحافظ على ساعات النشاط الإجمالية ويعيد توزيعها، ثم تمضي الحكومة في تقليصها، يصبح واضحًا أن القرار صيغ بعقلية الضبط الإداري لا بعقلية حماية السوق. وهذه نقطة خطيرة لأنها تكشف فجوة بين من يدير القرار ومن يتحمل نتائجه الفعلية.
وفي هذا السياق، لا يبدو الاعتراض التجاري مجرد شكوى معتادة من أصحاب المصالح، بل يبدو توصيفًا مباشرًا لأثر قرار قد يضغط على سلاسل بيع كاملة ترتبط بالمستهلك اليومي. فالمطاعم غير السياحية والكافيهات والمحلات في الأحياء التجارية ليست قطاعات مترفة يمكنها تعويض الساعات المفقودة بسهولة، بل أنشطة تعيش على كثافة الحركة المسائية. ولذلك فإن تقليص الوقت هنا يساوي تقليص الإيراد نفسه بلا تجميل.
استثناء السياحة يحمي الدولار ويكشف ازدواجية الأولويات
وفي المقابل، جاء استثناء المنشآت السياحية من الإغلاق المبكر ليقدم الدليل الأوضح على أن الحكومة تعرف تمامًا أين تكمن حساسيتها الحقيقية. فوزارة السياحة والآثار أعلنت صراحة أن السائح لن يشعر بهذه الإجراءات، وأن مستوى الخدمات سيظل كما هو، بما يعني أن الدولة كانت حاسمة فقط حين تعلق الأمر بالقطاع الذي يدر عملة صعبة، بينما بدت أقل حسمًا تجاه السوق المحلية التي تتحمل الصدمة من دون حماية مماثلة.
وأكدت هذه الحساسية أرقامُ القطاع نفسه، بعدما أعلنت وزارة السياحة في يناير أن مصر استقبلت خلال عام ٢٠٢٥ نحو تسعة عشر مليون سائح، وهو رقم قياسي يفسر لماذا سارعت الدولة إلى إخراج المدن والمنشآت السياحية من نطاق القرار. فالسلطة هنا لا تتعامل مع ملف خدمي عادي، بل مع أحد أهم منابع النقد الأجنبي، ولذلك لم تجرؤ على تعريضه للاهتزاز كما فعلت مع السوق الداخلية.
ويرى حسام الشاعر، رئيس اتحاد الغرف السياحية، أن القطاع قادر على تجاوز الاضطرابات الإقليمية وأن تأثيرها على الحركة السياحية سيكون محدودًا. لكن المفارقة أن هذا التفاؤل نفسه يشرح سبب الاستثناء، لأن الدولة تعلم أن أي إرباك داخلي في ساعات التشغيل والخدمة قد يضرب صورة المقصد السياحي ويقوض ما تحقق من نمو. وبكلمات أوضح، الحكومة خافت على الدولار أكثر مما خافت على السوق المحلية.
وأخيرًا، لا يكشف القرار عن سياسة رشيدة بقدر ما يكشف عن ارتباك في ترتيب الأولويات الاقتصادية. فالحكومة قدمت الإغلاق المبكر باعتباره ضرورة عامة، ثم تصرفت بعد ذلك بما يثبت أنه ليس عامًا أصلًا، بل انتقائيًا يرحم قطاعًا ويضغط آخر. وحين يصبح الترشيد اسمًا أنيقًا لتحميل الأسواق المحلية كلفة الأزمة، فإن المسألة لا تعود مجرد تنظيم مواعيد، بل تصبح دليلًا جديدًا على اقتصاد يدار برد الفعل لا بخطة عادلة ومتماسكة.

