بدأت الصناعة المصرية عام 2026 بإشارة سلبية جديدة، بعدما أظهر التقرير الشهري للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تراجع الرقم القياسي لإنتاج الصناعات التحويلية والاستخراجية باستثناء الزيت الخام والمنتجات البترولية إلى 125.89 نقطة في يناير، مقابل 128.47 نقطة في ديسمبر، بانخفاض شهري نسبته 2%، وهي بداية تكشف أن الحديث الرسمي عن التعافي الصناعي ما زال يصطدم بواقع أكثر قسوة، فيه قطاعات استهلاكية تتحرك مؤقتًا بفعل المواسم، بينما تتراجع الصناعات الرأسمالية والتكنولوجية التي يفترض أن تقود النمو الحقيقي وتخلق قاعدة إنتاج أكثر صلابة.
مؤشر عام يتراجع وغذاء ومشروبات يخففان الصدمة
الهبوط العام في المؤشر لم يمنع بعض القطاعات الاستهلاكية من تسجيل ارتفاعات واضحة، إذ صعد مؤشر المنتجات الغذائية إلى 154.33 نقطة مقابل 129.22 نقطة في ديسمبر بنسبة 19.43%، كما قفز مؤشر صناعة المشروبات إلى 427.73 نقطة مقابل 310.83 نقطة بنسبة 37.61%، وهي زيادات ترتبط بزيادة الإنتاج استعدادًا لشهر رمضان وموسم الحصاد، ما يعني أن التحسن هنا موسمي بالأساس، وليس تحولًا هيكليًا في كفاءة الصناعة أو قدرتها على التوسع المستدام. الجهاز نفسه يعرّف هذا المؤشر باعتباره أداة لمتابعة اتجاهات الإنتاج الشهري في المنشآت الصناعية الكبيرة والمتوسطة، وهو ما يجعل هذا التباين بين قطاعات الاستهلاك وقطاعات التصنيع الثقيل أكثر دلالة لا أقل.
محمد البهي عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات كان قد قال في يناير إن 2026 يفترض أن يكون عام جني ثمار سنوات من الإنفاق الاستثماري والتشريعي، مع استهداف رفع النمو الصناعي إلى 20% بحلول 2030، لكن أرقام يناير تقول إن المسار الفعلي أكثر تعقيدًا من هذا التفاؤل، لأن السوق لم يمنح الصناعة بداية مستقرة، بل قدم لها شهرًا أول يعكس هشاشة واضحة في القطاعات الأعلى قيمة مضافة، وهي القطاعات التي لا يكفي فيها الطلب الموسمي ولا تحسن الغذاء والمشروبات لتعويض التراجع.
الصناعات الرأسمالية تتراجع والاختلال يظهر بوضوح
الصورة تصبح أكثر حدة عند النظر إلى الصناعات الرأسمالية نفسها، إذ هبط مؤشر الحاسبات والمنتجات الإلكترونية والأجهزة الطبية إلى 50.26 نقطة مقابل 107.52 نقطة في ديسمبر بنسبة انخفاض 53.26%، كما تراجع مؤشر صناعة المركبات ذات المحركات إلى 355.65 نقطة مقابل 448.72 نقطة بنسبة 20.74%، وهذه ليست قطاعات هامشية يمكن تجاوزها، بل قطاعات تقيس قدرة الاقتصاد على التقدم التكنولوجي وعلى بناء صناعة أكثر تعقيدًا وأقل اعتمادًا على السلع منخفضة القيمة، وعندما تنكمش بهذه الصورة بينما يرتفع الغذاء والمشروبات، فالمعنى المباشر أن الصناعة المصرية تتحرك إلى الخلف في الجزء الأهم منها.
هذا التراجع يضرب أيضًا رواية الطفرة في السيارات والصناعات المغذية لها، إذ قال علي توفيق رئيس رابطة الصناعات المغذية للسيارات في يناير إن نسبة المكون المحلي في سيارات الركوب وصلت إلى 60% وإن القطاع يدخل مرحلة توسع جديدة، كما تحدثت وزارة الصناعة هذا الشهر عن خطة للوصول إلى إنتاج 100 ألف سيارة سنويًا، لكن أرقام يناير الصناعية تكشف أن هذا الطموح لم يتحول بعد إلى زخم إنتاج ثابت، وأن ضعف الطلب المحلي والاستثماري ما زال أقوى من خطط التوسع المعلنة، على الأقل في هذه اللحظة.
الاختلال هنا ليس رقمًا عابرًا بل بنية كاملة تتكرر، فالقطاعات التي تتغذى على الطلب اليومي للمستهلكين تستطيع أن ترفع المؤشر جزئيًا في مواسم محددة، بينما القطاعات التي تحتاج استثمارًا أطول وتمويلًا أرخص ومدخلات مستوردة أكثر انتظامًا تتعرض لضغوط أشد، وهذا يفسر لماذا يمكن للمؤشر العام أن يبقى متماسكًا نسبيًا في بعض الأشهر رغم أن العمود الفقري للصناعة نفسه يتآكل من الداخل، وهو تآكل أخطر من أي هبوط موسمي لأنه يضرب إمكانات النمو المستقبلية لا أرقام الشهر فقط.
أزمة هيكلية لا تعالجها الأرقام الموسمية
أعمق ما يكشفه تقرير يناير هو أن الصناعة في مصر ما زالت أسيرة مشكلات قديمة لم تُحل، من الاعتماد على الواردات في المكونات والآلات، إلى ارتفاع تكاليف الطاقة ومدخلات الإنتاج، وضعف العمالة المدربة، وتعدد جهات التفتيش، وهي نقاط تحدث عنها عبد المنعم السيد بوضوح في فبراير حين قال إن توطين الصناعة يواجه تحديات البيروقراطية وارتفاع تكاليف المدخلات ونقص العمالة ووجود مصانع متعثرة أو مغلقة، ومع هذا النوع من المشكلات يصبح أي تراجع في الطلب أو أي ضغط في سعر الصرف كافيًا لإسقاط قطاعات كاملة بسرعة، كما حدث في الإلكترونيات والمركبات خلال يناير.
وتؤكد وثائق الحكومة نفسها أن الصناعة ليست قطاعًا ثانويًا يمكن التعايش مع تباطؤه، فوزارة التخطيط قالت إن الصناعات التحويلية تسهم بنحو 16% من الناتج المحلي و14% من التشغيل وأكثر من 85% من الصادرات غير النفطية، كما تستهدف الخطة استثمارات كبيرة للقطاع في 2025 و2026، لكن المفارقة أن هذا الوزن الكبير لم يمنع بداية عام ضعيفة، ما يوضح أن ضخ الاستثمارات والخطط لا يترجم تلقائيًا إلى إنتاج شهري قوي ما لم تتوفر بيئة تشغيل وتمويل وطلب أكثر استقرارًا.
في النهاية فتراجع الإنتاج الصناعي في يناير 2026 لا ينبغي قراءته كتعثر شهري محدود، لأن طبيعة القطاعات التي هبطت تقول شيئًا أعمق، فالصناعة المصرية ما زالت تكسب في السلع الاستهلاكية وتخسر في القطاعات التي تصنع الفارق الحقيقي في التكنولوجيا والتشغيل والقيمة المضافة، وهذا يعني أن الحكومة لا تواجه مجرد تقلب في المؤشر، بل تواجه سؤالًا قديمًا يعود من جديد، كيف تتحدث عن توطين الصناعة فيما تتراجع أولًا الصناعات الأكثر احتياجًا إلى هذا التوطين نفسه، وكيف تبني نموًا مستدامًا إذا ظل الغذاء والمشروبات يرفعان المؤشر مؤقتًا بينما تتراجع الإلكترونيات والمركبات التي يفترض أن تقود المستقبل.

