الغرفة التجارية، تقدم عبر تصريحات متى بشاي رئيس لجنة التجارة الداخلية بالشعبة العامة للمستوردين، صورة تقول إن التاجر والمستورد عالقان بين واجب وطني لخفض الأسعار وبين موجة متصاعدة من كلفة الاستيراد. الكلام من حيث الشكل يبدو منطقيا. لكن المشكلة أن السوق لا يتعامل مع النوايا. السوق يتعامل مع السعر النهائي الذي يدفعه المواطن. وفي اللحظة الحالية، المواطن لا يرى “واجبا وطنيا” بقدر ما يرى تضخما يتسارع، ودولارا تجاوز 52 جنيهًا، وسلعا مستوردة أو مرتبطة بالاستيراد تتحرك إلى أعلى أسرع مما تتحرك أي آلية حماية حقيقية. فقد سجل التضخم السنوي في المدن 13.4% في فبراير 2026 مقابل 11.9% في يناير، بينما أظهر البنك المركزي سعر صرف رسميًا للدولار عند 52.2904 جنيهًا للشراء و52.4283 للبيع في 18 مارس 2026.

 

الغرفة التجارية تتحدث عن المسؤولية.. لكن السوق يسمع الكلفة فقط

 

بشاي قال بوضوح إن التاجر المصري يدرك مسؤوليته المجتمعية ويحاول امتصاص جزء من الزيادات قدر الإمكان، وإن الضغوط لا تقف عند الدولار فقط، بل تشمل الشحن والخدمات اللوجستية واضطراب سلاسل الإمداد. هذا الكلام ليس جديدا في السوق المصري، لكنه يكتسب وزنا أكبر الآن لأن بشاي نفسه تحدث قبل أيام عن قفزة في رسوم الشحن البحري تراوحت بين 200% و300% منذ اندلاع الحرب، وربط ذلك مباشرة بارتفاع مخاطر الملاحة والتأمين والنقل. معنى هذا أن الغرفة التجارية لا تنفي انتقال الزيادة إلى السوق، بل تقول عمليا إن السؤال لم يعد هل سترتفع الكلفة، بل إلى أي مدى يستطيع المستورد أو التاجر تحملها قبل أن ينقلها كاملة إلى المستهلك.

 

لكن خطاب “امتصاص جزء من الزيادة” يظل ناقصا ما دام لا يقول للناس كم امتص التاجر فعلا وكم نقل إلى السعر النهائي. هنا تظهر الفجوة التي تثير الغضب. الغرفة التجارية تطلب تفهما لظروف المستورد، بينما المستهلك لا يجد جهة تطلب من السوق تفهما لحدود دخله. وحين تتحدث التصريحات عن تراجع هوامش الربح واستدامة النشاط التجاري، فهي تتحدث عن أزمة حقيقية داخل قطاع الأعمال، لكنها لا تلغي أن الحلقة الأضعف ستظل هي المشتري الذي لا يملك لا هامش ربح ولا قدرة على التحوط. ولذلك يبدو الخطاب أقرب إلى تبرير رفع الأسعار منه إلى تقديم تعهد واضح بمنع انفلاتها.

 

من الدولار إلى النولون.. فاتورة الاستيراد تتضخم على كل جبهة

 

الدكتور أحمد الشامي، مستشار النقل وخبير اقتصاديات النقل البحري، قدم الصورة الأكثر خشونة لما يجري في الخلفية. الرجل قال إن الحرب والتوتر في مسارات الملاحة رفعا تكاليف الشحن إلى مستويات قد تتراوح بين 200% و400%، مع إضافة أعباء مخاطر حرب قد تصل إلى 1500 دولار على الحاوية الواحدة، إلى جانب احتمالات تغيير المسارات وإطالة زمن الرحلات. هذه ليست تفاصيل فنية بعيدة عن حياة الناس. هذه هي التكاليف التي تظهر لاحقا في سعر الدواء والسلعة الغذائية وقطع الغيار وكل ما يدخل مصر عبر البحر. وإذا كان المستورد يشتكي اليوم، فذلك لأنه يعرف أن فاتورة النقل وحدها لم تعد هامشا يمكن دفنه داخل الحسابات.

 

ولا تقف الضغوط عند الشحن وحده. الحكومة نفسها رفعت أسعار الوقود في 10 مارس 2026، وأعلنت وزارة البترول أن القرار جاء في ظل “الظروف الاستثنائية” المرتبطة بالتطورات الجيوسياسية وارتفاع كلفة الاستيراد والإنتاج والشحن والتأمين. هذه النقطة مهمة لأن بعض خطاب السوق يحاول تقديم الأزمة كأنها نابعة من الخارج فقط. الواقع أن الداخل أيضا يزيد العبء. رفع السولار من 17.5 إلى 20.5 جنيه للتر لا يضغط على النقل فحسب، بل يضيف طبقة جديدة من الزيادة على كل سلسلة التوزيع. وهنا يصبح الحديث عن تخفيف الأعباء على المواطنين بلا أدوات حقيقية مجرد وعد سياسي رخو، بينما ماكينة التسعير تعمل في الاتجاه العكسي تماما.

 

بين التضخم المستورد وضعف الرقابة.. من يحمي المستهلك لا المستورد فقط؟

 

الدكتور علي الإدريسي، الخبير الاقتصادي، قال إن التطورات الجيوسياسية وارتفاع الوقود عالميًا قد يدفعان الاقتصاد إلى موجة تضخمية جديدة تنعكس مباشرة على مصر. هذا التوصيف يلتقي مع تحذير متى بشاي نفسه من “التضخم المستورد”، أي ذلك التضخم الذي يأتي مع الدولار والشحن والطاقة وسلاسل الإمداد قبل أن يتحول إلى أسعار محلية. معنى هذا أن الأزمة ليست سوء تفاهم بين الحكومة والتجار، بل هي انتقال منظم لفاتورة الخارج إلى جيب الداخل. وعندما يكون التضخم العام قد عاد للصعود في فبراير، فإن أي كلام عن احتواء الموجة يحتاج إلى تدخلات أشد صلابة من مجرد دعوات إلى التنسيق بين الجهات الحكومية والمجتمع التجاري.

 

هنا تحديدا تبدو مطالبة بشاي بمزيد من التنسيق بين الحكومة والمجتمع التجاري صحيحة من حيث المبدأ، لكنها ناقصة من حيث الجوهر. لأن التنسيق، إذا اقتصر على تسهيل الاستيراد وحماية استمرار تدفق السلع، قد ينتهي بحماية السوق من النقص وحماية المستورد من الخسارة، من دون حماية المستهلك من القفزة السعرية نفسها. والمشكلة أن التجربة المصرية تقول إن أي ضغوط في الدولار أو الشحن أو الوقود تنتقل سريعا إلى الأسعار، لكن أي انفراجة لاحقة لا تنتقل بالسرعة نفسها. لهذا لا يكفي أن يقال إن التاجر “شريك رئيسي” في جهود الدولة. السؤال الأدق هو: شريك في خفض الأسعار فعلا، أم شريك في إدارة الموجة حتى تمر على حساب الناس؟

 

الخلاصة أن الغرفة التجارية لا تكذب حين تقول إن المستوردين والتجار يواجهون معادلة صعبة. نعم، الدولار مرتفع. نعم، الشحن مضطرب. نعم، الخدمات اللوجستية أغلى. نعم، سلاسل الإمداد مرتبكة. لكن كل ذلك لا يغير الحقيقة الأساسية في السوق المصري: الطرف الوحيد الذي لا يملك وسيلة لنقل خسائره إلى غيره هو المواطن. المستورد يرفع السعر أو يقلص النشاط. التاجر يعيد التسعير أو يشكو تآكل الهامش. الدولة تشرح وتدعو إلى التكاتف. أما المواطن فيدفع. لذلك فإن أي تقرير جاد عن تصريحات الغرفة التجارية يجب أن يبدأ من هنا: الأزمة ليست فقط في كلفة الاستيراد، بل في غياب ضمانة تلزم السوق بأن لا يحول كل ضغط خارجي وكل قرار داخلي إلى فاتورة مفتوحة على الناس وحدهم.