يدفع العمال والموظفون وأصحاب الدخل المحدود الكلفة الأكبر لسياسات رفعت الأسعار أسرع كثيرًا من الأجور، ثم تركت الناس يواجهون السوق وحدهم. الصورة الرسمية تتحدث عن تراجع نسبي في التضخم، لكن الأسر التي أُنهكت خلال موجات الغلاء المتتالية لا تعيش بالنسب السنوية بل بأسعار الخبز واللحوم والمواصلات والكهرباء والإيجارات. وفي بلد قال البنك الدولي إن 33.5% من سكانه كانوا تحت خط الفقر في 2021 وفق المنهجية الوطنية، لم يعد السؤال هل هناك غلاء، بل من الذي يتحمل الضربة الأشد كل يوم.

 

الضغط لا يتوزع بالتساوي. أصحاب الدخول الكبيرة يملكون هامشًا للمناورة. يغيرون نمط الاستهلاك أو يؤجلون بعض الإنفاق. أما العامل والموظف وصاحب المعاش والأسرة التي تعيش على دخل ثابت أو شبه ثابت، فهؤلاء لا يملكون إلا تقليص الطعام أو العلاج أو التعليم أو الاستدانة. وحتى بعد هبوط التضخم من ذروات 2023، عاد المعدل السنوي في المدن إلى 13.4% في فبراير 2026 بحسب البنك المركزي، ما يعني أن الغلاء لم ينته، بل استقر عند مستوى يواصل سحب الدخل الحقيقي من جيوب الفئات الأضعف.

 

العمال.. أجور تركض خلف الأسعار ولا تلحقها

 

العامل هو الطرف الأضعف في معادلة الغلاء، لأنه يواجه الزيادة في أسعار الطعام والنقل والطاقة من دون قدرة تفاوض حقيقية في أغلب الأحيان. الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص رُفع إلى 7,000 جنيه اعتبارًا من 1 مارس 2025، لكن هذا الرقم لا يقول وحده شيئًا عن التنفيذ الفعلي، ولا عن الفجوة بين الأجر وما يكفي المعيشة، خاصة في القطاعات التي تتسع فيها المخالفات أو الأجور غير المنتظمة أو العمل غير الرسمي.

 

المشكلة ليست في الرقم المعلن فقط، بل في السوق الذي يلتهمه بسرعة. فكل زيادة في الوقود أو النقل أو الخدمات تُعاد ترجمتها فورًا إلى أسعار أعلى للسلع الأساسية، بينما يبقى العامل آخر من يحصل على تعويض فعلي. وفي مايو 2025 أشارت تقارير اقتصادية إلى أن صعود تضخم الغذاء كان أحد المحركات الرئيسية للمعدل العام، وهذا يضرب العمال أولًا لأن إنفاقهم يتركز أصلًا في الطعام والمواصلات والسكن لا في الكماليات.

 

مجدي البدوي نائب رئيس اتحاد العمال قال بوضوح في أكتوبر 2025 إن رفع أسعار المحروقات يستلزم زيادة أجور وحزمة حماية اجتماعية، ثم قال في ديسمبر 2025 ما يلخص المأزق كله إن “أسعار كل السلع والخدمات ارتفعت إلا مرتبات العمال”. هذا ليس توصيفًا دعائيًا. هذا وصف مباشر لما يجري في الأسواق ومواقع العمل. الأجر يتآكل. والعامل هو أول من يدفع الفرق بين البيان الحكومي والواقع.

 

الموظفون.. الطبقة التي تنزلق بصمت

 

الموظفون الحكوميون وموظفو القطاع المنظم لا يقعون دائمًا تحت خط الفقر الرسمي، لكنهم يتحملون واحدة من أقسى ضربات الغلاء لأن دخولهم ثابتة نسبيًا بينما التزاماتهم شبه ثابتة أيضًا. الحكومة أعلنت في موازنة 2025-2026 رفع الحد الأدنى للأجور إلى 7,000 جنيه للعاملين بالدولة مع زيادة إجمالي الأجر لأدنى الدرجات بنحو 1,100 جنيه، ورفعت مخصصات الأجور في الموازنة بنسبة 18.1%. لكن الزيادة جاءت بعد موجات سعرية متلاحقة جعلت كثيرًا من الموظفين ينفقون الزيادة قبل أن تصلهم أصلًا.

 

أزمة الموظف أنه لا يملك رفاهية الانسحاب من السوق ولا المرونة التي يملكها صاحب رأس المال. هو يدفع إيجارًا أو قسطًا، ويدفع فاتورة كهرباء ومياه واتصالات، ثم يذهب إلى سوق تغيرت أسعاره مرات متتالية خلال أقل من 3 سنوات. لذلك لا تبدو مسألة تراجع التضخم خبرًا مريحًا لهذه الفئة، لأن الأسعار التي صعدت لم تعد إلى الوراء، ولأن القدرة الشرائية التي تراجعت لا تُستعاد بقرار إداري واحد أو بعلاوة محدودة.

 

الخبير الاقتصادي وائل جمال لخص المسألة بصورة أشد قسوة حين قال في مايو 2025 إن الحكم القائم “استغنى عن هوامش الحماية والتنفيس الاجتماعيين”. دلالة هذا الكلام أن الموظف لم يعد يستند إلى خدمة عامة قوية ولا إلى دعم كاف ولا إلى أجر يحميه من السوق. هكذا تتسع المنطقة الرمادية بين الطبقة الوسطى والفقر، ويصبح الموظف مرشحًا دائمًا للهبوط الاجتماعي الصامت.

 

أصحاب الدخل المحدود.. الغلاء هنا مسألة بقاء لا رفاهية

 

الفئة الأشد تضررًا تبقى هي الأسر منخفضة الدخل، لأن الجزء الأكبر من إنفاقها يذهب إلى الغذاء والسكن والمواصلات. أي زيادة في هذه البنود لا تعني تأجيل شراء سلعة غير ضرورية، بل تعني نقصًا مباشرًا في الطعام أو الدواء أو دروس الأبناء. وعندما يقول البنك الدولي إن ثلث المصريين تقريبًا كانوا فقراء في 2021 وفق أحدث تقدير منشور، فالمعنى أن قاعدة الهشاشة واسعة أصلًا قبل أي موجة غلاء جديدة.

 

هاني جنينة قال في ديسمبر 2025 إن زيادة الأجور من دون موارد حقيقية للاقتصاد قد تغذي التضخم، وهو تحذير صحيح من زاوية الاقتصاد الكلي، لكنه يكشف في الوقت نفسه مأزقًا أشد خطورة. إذا كانت الأجور لا يمكن أن ترتفع بما يكفي، والأسعار لا تتوقف عن الصعود، فمن الذي يُطلب منه أن يمتص الصدمة. الإجابة الجارية عمليًا هي الفئات الأقل دخلًا، أي الذين يستهلكون الحد الأدنى أصلًا ولا يملكون مخزونًا يحميهم.

 

لهذا لا تبدو خريطة المتضررين من الغلاء معقدة كما تحاول الحكومة أحيانًا تصويرها. العمال يدفعون من أجور هشة. الموظفون يدفعون من دخول ثابتة تآكلت. وأصحاب الدخل المحدود يدفعون من احتياجات أساسية لا تحتمل المزيد من الخفض. هذه ليست أزمة سوق فقط. هذه نتيجة مباشرة لسياسات نقلت عبء الاختلال إلى الناس، ثم اكتفت بزيادات متأخرة لا تلحق الأسعار. وفي النهاية لا يتحمل كلفة الغلاء من صنعه أو استفاد منه، بل من يذهب كل صباح إلى العمل ثم يعود ليكتشف أن راتبه صار أصغر من أسبوعه.