هرب ملايين المصريين من السوق الرسمي إلى الهامش المفتوح. لا لأنهم يفضلون الفوضى. بل لأن الكلفة صارت أعلى من الاحتمال. ضرائب ورسوم وتراخيص وملاحقات. في المقابل لا حماية حقيقية ولا تمويل ميسر ولا حد أدنى من الأمان. هكذا تمدد العمل غير الرسمي من الباعة الجائلين إلى المهن المؤقتة وخدمات التوصيل والورش الصغيرة. وصار باب النجاة الأخير لمن سقطوا من سوق يضيق كل يوم تحت ضغط الغلاء والجباية والانكماش. وتشير تقديرات متداولة في مصر إلى أن الاقتصاد غير الرسمي يمثل نحو 40% من الاقتصاد، بينما أشارت تقديرات أخرى منسوبة لوزارة المالية إلى متوسط يقترب من 55%، وهو تفاوت يعكس أصل المشكلة نفسها، قطاع ضخم تديره الدولة بالإنكار أكثر مما تديره بالسياسة.
سوق موازية صنعتها الكلفة لا الرغبة
الاقتصاد غير الرسمي في مصر لم يعد مجرد نشاط جانبي. صار بنية موازية يعيش فيها من عجز عن دخول الباب الرسمي أصلا. القانون نفسه يعترف بوجود مشروعات تعمل من دون ترخيص ويمنحها رخصة مؤقتة لتوفيق الأوضاع قد تمتد إلى 5 سنوات وفق قانون 152 لسنة 2020. لكن اعتراف النص لم يتحول إلى عدالة في التطبيق. النتيجة أن آلاف الأنشطة تفضل البقاء خارج الشبكة على دخول منظومة تعتبرها بوابة للرسوم قبل أن تكون بابا للحماية.
النائب محمد عبد الحميد، وكيل لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب، لخص جزءا من الصورة حين قال إن العاملين في هذا القطاع لا يرفضون الاندماج في الاقتصاد الرسمي من حيث المبدأ، لكنهم يصطدمون بعراقيل التراخيص، خاصة حين يرتبط النشاط بعقار مخالف أو بوضع قانوني معقد يجعل الترخيص شبه مستحيل. هذا التوصيف مهم، لأنه ينزع عن السلطة ذريعة اتهام الفقراء بالتهرب، ويعيد المسؤولية إلى هيكل إداري يدفع الناس دفعا إلى العمل خارج القانون.
ويعزز هذا المعنى ما قاله محمد عطية الفيومي، عضو مجلس النواب، حين أشار في ديسمبر 2025 إلى وجود نحو 5.5 مليون نشاط غير مرخص بسبب ارتفاع الرسوم وصعوبة الترخيص، مع مطالبات بتخفيض الرسوم 50% لتشجيع أصحاب الأنشطة على الدخول إلى المظلة الرسمية. حين يصل عدد الأنشطة غير المرخصة إلى هذا الحجم، فالمشكلة ليست في المواطن فقط. المشكلة في دولة حولت الإجراء إلى عقوبة، والرخصة إلى عبء، والاستمرار داخل الاقتصاد الرسمي إلى مخاطرة مالية لا يتحملها الصغير.
الباعة الجائلون.. رزق تحت المطاردة
في الشارع تبدو الأزمة أكثر وضوحا. الباعة الجائلون ليسوا مجرد مشهد عشوائي في الميادين. هم ترجمة يومية لفشل الدولة في خلق وظائف مستقرة وكريمة. تقارير منشورة في 2026 أشارت إلى وجود نحو 7 ملايين بائع متجول في مصر بحجم تجارة يتجاوز 100 مليار جنيه، استنادا إلى بيانات منسوبة للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. هذا الرقم لا يقول فقط إن الشارع تحول إلى سوق. بل يقول إن ملايين الأسر باتت تتغذى من اقتصاد سريع وهش ومطارد في الوقت نفسه.
الدولة تتذكر هؤلاء حين تريد إزالة إشغالات أو تحصيل رسوم أو فتح ملف التنظيم الأمني. لكنها لا تتذكرهم بنفس الحماس حين يتعلق الأمر بالتأمين الصحي أو الحماية الاجتماعية أو أماكن البيع المنظمة أو التمويل الصغير. لذلك يبقى البائع الجائل معلقا بين مطاردة السلطة وابتزاز الوسطاء وتقلب السوق. لا يملك عقدا. لا يملك غطاء قانونيا مستقرا. ولا يملك رفاهية التوقف عن العمل يوما واحدا. هذه ليست حرية سوق. هذا نمط قاس من العمل تحت الضرورة.
إبراهيم الفيومي، رئيس غرفة القليوبية التجارية، كان أكثر صراحة حين ربط اتساع القطاع غير الرسمي بصعوبة استخراج التراخيص وفرض الرسوم غير القانونية، وطالب بمنح رخص مؤقتة حتى تستكمل المنشآت أوراقها. كلام الفيومي مهم لأنه صادر من قلب مجتمع الأعمال لا من صفوف المعارضة. وحين يقول رجل غرفة تجارية إن الرسوم والتعقيد يدفعان الناس إلى الظل، فهذا إقرار بأن الدولة تصنع جزءا من الفوضى التي تعلن الحرب عليها كل يوم.
المهن المؤقتة.. طبقة نجاة بلا أمان
إلى جوار الباعة الجائلين تمددت المهن المؤقتة كخيار اضطراري. سائق يعمل عبر تطبيقات، عامل يومية في موقع بناء، شاب يبيع عبر الإنترنت بلا سجل، امرأة تنتج الطعام من المنزل بلا ترخيص، وآخرون ينتقلون بين أكثر من عمل في الأسبوع نفسه. هذا ليس تنوعا صحيا في سوق العمل. بل تفكك واضح في الوظيفة المستقرة. دراسة حديثة نشرتها منظمة العمل الدولية عن الاقتصاد غير الرسمي في مصر أكدت أن الظاهرة متجذرة في قطاعات واسعة مثل النقل والصناعات الغذائية والهندسية والملابس والزراعة، بما يكشف أن المسألة ليست هامشا صغيرا بل قلبا متناميا في سوق العمل المصري.
وفي فبراير 2025 أطلقت الدولة حزمة قوانين ضريبية جديدة لتسهيل الامتثال والتسويات، بينها القانونان 5 و6 لسنة 2025، وقدمتها باعتبارها مدخلا لدمج الاقتصاد غير الرسمي. الخبير الاقتصادي محمد فؤاد رأى أن هذه القوانين تمثل محاولة جادة لفتح مسار قانوني أقل كلفة إدارية وأكثر استقرارا، مع حاجة واضحة إلى تطوير التنفيذ والمعايير. لكن حتى هذا التقييم الإيجابي يكشف جوهر الأزمة. النص وحده لا يكفي. لأن صاحب النشاط الصغير لا يحاكم القوانين من خطب الحكومة، بل من الموظف الذي يطلب ورقة إضافية، ومن الرسوم التي تتكاثر، ومن غياب الثقة في أن دخوله المنظومة سيمنحه حقا يوازي ما سيدفعه.
حتى الأصوات الأقرب إلى خطاب السلطة لا تنكر ثقل البيروقراطية. مصطفى بدرة قال في فبراير 2026 إن منصة التراخيص الإلكترونية الجديدة يمكن أن تنهي التعقيدات البيروقراطية وتسرع الاستجابة لطلبات المستثمرين. معنى ذلك واضح. التعقيد قائم فعلا إلى الدرجة التي تجعل مجرد الرقمنة خبرا. لكن البائع الجائل والعامل المؤقت وصاحب الورشة لا يحتاجون منصة فقط. يحتاجون دولة تخفض الكلفة، وتوقف الجباية المتعددة، وتربط الرسم بخدمة، وتمنح الشرعية كحق لا كفخ. إلى أن يحدث ذلك سيظل الاقتصاد غير الرسمي في مصر ليس استثناء عابرا، بل ملاذا أخيرا لمجتمع يدفع ثمن الأزمة مرتين، مرة في السوق ومرة عند شباك التحصيل.

