اضربْ أي محاولة لتجميل الصورة بالأرقام نفسها، فالمسألة لم تعد مجرد غلاء عابر أو تعثر اقتصادي مؤقت، بل انتقال اجتماعي قاس يدفع شرائح واسعة من المصريين من هامش الأمان إلى قلب الهشاشة، بعدما كشفت البيانات الرسمية والدولية أن التضخم التهم الدخول، وأن الفقر واصل الزحف، بينما اضطرت السلطة نفسها إلى الحديث عن حماية “الفئات الهشة والطبقة الوسطى” في مفاوضاتها مع صندوق النقد، وهو اعتراف صريح بأن الخسارة لم تعد محصورة في الأفقر فقط، بل وصلت إلى الفئة التي كانت تاريخيا عصب الاستقرار الاجتماعي والسياسي في البلاد.

 

منذ موجة التعويمات المتتالية وأزمات العملة ورفع أسعار الطاقة والخدمات، لم تعد الطبقة الوسطى في مصر تفقد بعض رفاهيتها فقط، بل بدأت تفقد تعريفها نفسه، لأن الأسرة التي كانت قادرة على التعليم الخاص، والرعاية الصحية المقبولة، واستهلاك مستقر للغذاء والملبس، أصبحت تنفق أغلب دخلها على الضروريات وحدها، في وقت بلغ فيه التضخم السنوي في المدن 13.4% في فبراير 2026 بحسب البنك المركزي، بعد ذروة تاريخية لامست 38% في سبتمبر 2023، ما يعني أن التراجع الحالي في المعدلات لا يمحو الأثر التراكمي للصدمة على الدخول والمدخرات والقدرة الشرائية.

 

الطبقة التي كانت تستر البلد تتآكل

 

أخطر ما جرى خلال السنوات الأخيرة أن الطبقة الوسطى لم تعد قادرة على امتصاص الصدمات كما كان يحدث سابقا، لأن أدوات الحماية نفسها تآكلت، الأجور لم تلاحق الأسعار، والدعم انكمش، والخدمات العامة تراجعت جودتها، بينما توسعت كلفة النقل والسكن والغذاء والكهرباء، فتحولت حياة ملايين الموظفين وصغار المهنيين وأصحاب الدخول الثابتة إلى معركة يومية لإعادة ترتيب الأولويات، من حذف دروس خاصة، إلى تأجيل علاج، إلى خفض استهلاك البروتين، إلى الانسحاب من أنماط عيش كانت قبل سنوات قليلة عادية لا ترفا.

 

هذا التآكل لا يظهر فقط في شهادات الأسر، بل في اعترافات المؤسسات الدولية نفسها، فصندوق النقد قال في ديسمبر 2024 إن الاتفاق مع الحكومة المصرية شمل “إعادة معايرة” مسار الضبط المالي لتوفير مساحة لبرامج اجتماعية تخدم الفئات الضعيفة والطبقة الوسطى، وهي صياغة تكشف أن السياسات السابقة دفعت هذه الفئة إلى دائرة الخطر، لا إلى منطقة التحمل، كما أن البنك الدولي أشار في موجز الفقر والإنصاف الصادر في أكتوبر 2025 إلى أن 33.5% من السكان كانوا فقراء في 2021 وفق المنهجية الوطنية، بينما نقل عن الحكومة في فبراير 2025 توسيع برامج الحماية، ما يعكس استمرار الضغط الاجتماعي لا انحساره.

 

ويقول الخبير الاقتصادي وائل جمال إن أزمة الأجور في مصر لم تعد تفصيلا سوقيا، بل صارت عنوانا لفشل أوسع في حماية العمل والدخل، مشيرا في حديثه إلى “المنصة” إلى أن الحد الأدنى المعلن حتى بعد رفعه إلى 7,000 جنيه لا يكفي لإبقاء الأسرة فوق خط الفقر، وأن الانتهاكات تمتد من القطاع الخاص إلى جهات حكومية ومؤسسات عامة، وهذا التوصيف لا يخص العمال الأشد فقرا فقط، بل يفسر أيضا كيف تنزلق شرائح من الطبقة الوسطى الدنيا إلى مستويات معيشية أدنى كل شهر.

 

الفقر لا يصعد وحده بل يسحب معه المجتمع كله

 

المشكلة أن الفقر في مصر لا يتحرك كرقم جامد، بل كسلسلة آثار متتابعة، انسحاب من التعليم، تراجع في التغذية، تأجيل للعلاج، وزيادة في العمل غير الرسمي، وتبدل في خريطة الاستهلاك والسكن، وهو ما رصدته تقارير حديثة تحدثت عن اتساع الفجوة بين الأجر الحقيقي وكلفة المعيشة، وعن عودة التضخم للضغط على الأسر حتى بعد فترات تباطؤ نسبي، لأن أي زيادة في الوقود أو النقل أو الإيجارات تتحول مباشرة إلى موجة جديدة من الغلاء تمس الطعام والسكن والخدمات الأساسية.

 

وتتضح حدة هذا المسار في تقديرات نشرتها “المنصة” استنادا إلى أحدث البيانات الرسمية المتاحة، إذ أشارت إلى أن معدل الفقر ارتفع من 25.2% في 2010-2011 إلى نحو 30% في 2020، مع تقدير خبير في الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لوصوله إلى 35.7% في 2023، وهي قفزة لا تعني فقط اتساع قاعدة الفقراء، بل تعني أيضا أن الخزان البشري الذي كانت الطبقة الوسطى تتغذى منه بات ينكمش بسرعة، وأن السقوط الاجتماعي صار أسرع من قدرة الأسر على التكيف.

 

وفي هذا السياق يرى أحمد دياب، العضو المنتدب لشركة أوستول كابيتال، أن الضغوط الواقعة على الحكومة أصبحت شديدة إلى حد يجعل أي تأجيل للإجراءات الصعبة محفوفا بالكلفة، خصوصا ما يتعلق بتحرير سعر الصرف، لكن هذه النظرة التي تركز على ضرورات “التصحيح” المالي تكشف وجها آخر للأزمة، وهو أن كلفة التصحيح دُفعت اجتماعيا من دخول الطبقة الوسطى ومدخراتها وقدرتها على الاستمرار، بينما لم تظهر بعد شبكة حماية قادرة على تعويض الخسارة الفعلية التي لحقت بملايين الأسر.

 

استقرار المؤشرات لا يعني نجاة الناس

 

السلطة تراهن الآن على لغة “الاستقرار” بعد تراجع نسبي في التضخم وتحسن بعض المؤشرات الكلية، لكن هذا الخطاب يصطدم بحقيقة أبسط، وهي أن الأسرة التي فقدت قدرتها الشرائية خلال 2022 و2023 و2024 لا تستعيدها تلقائيا لمجرد أن معدل التضخم تراجع من قممه السابقة، لأن الأسعار التي ارتفعت بقيت مرتفعة، ولأن الأجور لم تلحق بها بالقدر الكافي، ولأن التوسع في الجباية ورفع أسعار الوقود والكهرباء والمواصلات ظل ينقل العبء من الموازنة العامة إلى جيوب المواطنين مباشرة.

 

هنا يلفت سايمون ويليامز، كبير الاقتصاديين في HSBC لمنطقة وسط وشرق أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا، إلى أن خفض الفائدة في لحظات الاضطراب كان سيقوض مصداقية السياسة النقدية، ما يعني أن أولوية صناع القرار ظلت موجهة إلى التثبيت المالي والنقدي أكثر من توسيع هامش التنفس الاجتماعي، وهذه المقاربة قد تفسر تحسن بعض الأرقام الكلية، لكنها لا تغير واقعا اجتماعيا يقول إن الطبقة الوسطى المصرية لم تعد تتراجع ببطء، بل تتآكل على نحو منظم، بينما يصعد الفقر كقوة إعادة تشكيل للمجتمع كله، لا كأزمة تخص الفقراء وحدهم.