كشف ما جرى في رمضان أن السؤال الحقيقي في السوق المصرية لم يعد هل ارتفعت الأسعار، بل هل انتهت موجة الصعود أصلًا أم أنها فقط أخذت استراحة قصيرة قبل جولة جديدة. فبيانات البنك المركزي المعلنة في 10 مارس أظهرت أن التضخم السنوي في المدن ارتفع إلى 13.4% في فبراير 2026 مقابل 11.9% في يناير، مع زيادة شهرية بلغت 2.8%، بما يعني أن السوق دخل موسم الاستهلاك الرمضاني وهو أصلًا تحت ضغط، لا في لحظة هدوء تسمح بالتفاؤل السهل.
هذا يفسر لماذا لا يبدو ما بعد رمضان في مصر مرشحًا لانفراجة مريحة بالمعنى الذي تنتظره الأسر. نعم، قد ينخفض الطلب الموسمي على بعض السلع الغذائية بعد انتهاء الشهر، وقد تتراجع حدة الزحام في الأسواق، لكن ذلك لا يعني تلقائيًا هبوطًا واسعًا في الأسعار. لأن أصل الأزمة أعمق من موسم استهلاك واحد. السوق ما زالت تتحرك تحت ضغط تكلفة مرتفعة، وقدرة شرائية ضعيفة، ومخاوف مستمرة من انتقال أي زيادة جديدة في الكلفة إلى المستهلك النهائي بسرعة أكبر من أي تراجع محتمل.
رمضان يرحل لكن أثره لا يرحل سريعًا
قراءة أحمد ناشي، خبير الاستثمار في شركة ثاندر، تضع اليد على أول خيط في الصورة. الرجل ربط ارتفاع تضخم فبراير بزيادة أسعار الأغذية والمشروبات مع حلول رمضان، معتبرًا أن زيادة الطلب والاستهلاك دفعت الأسعار إلى أعلى، كما توقع استمرار ضغوط جديدة خلال مارس. معنى ذلك أن رمضان لم يكن مجرد مناسبة كشفت الغلاء، بل كان عاملًا نشطًا في تسريع أثره، وهو ما يجعل نهاية الموسم لا تعني بالضرورة أن السوق ستعود فورًا إلى ما كانت عليه قبل موجة الطلب الرمضاني.
الأسر المصرية تعرف هذه القاعدة جيدًا من التجربة لا من النظريات. بعض السلع قد تهدأ قليلًا بعد العيد إذا تراجع السحب عليها، لكن سلعًا أخرى لا تعود بسهولة إلى أسعارها السابقة، لأن الزيادة حين تستقر في السوق تتحول إلى قاعدة جديدة لا إلى حالة طارئة. هذا ما يجعل الحديث عن تراجع الأسعار بعد رمضان حديثًا محفوفًا بالحذر. فالسوق المصرية اعتادت في السنوات الأخيرة أن تصعد بسرعة، لكنها لا تنزل بالوتيرة نفسها، خاصة إذا كانت الزيادة قد اختلطت بكلفة نقل أو تخزين أو استيراد أو تمويل.
يزيد هذا الحذر أن البنك المركزي نفسه، رغم بدء دورة تيسير نقدي بخفض أسعار العائد الأساسية 100 نقطة أساس في 12 فبراير، لم يكن يتصرف بوصفه أمام تضخم انتهى، بل أمام ضغوط ما زالت تحتاج مراقبة دقيقة. خفض الفائدة هنا لا يعني إعلان نصر على الغلاء، بقدر ما يعكس محاولة موازنة بين دعم النشاط الاقتصادي ومتابعة المسار النزولي طويل الأجل للتضخم. لكن أرقام فبراير جاءت لتقول بوضوح إن المسار ليس مستقيمًا، وإن السوق لا تزال قابلة لارتدادات جديدة.
الغلاء في مصر لم يعد موسميًا فقط
هنا يكتسب رأي الدكتور مدحت نافع وزنًا أكبر، لأنه يضع ما بعد رمضان في سياقه الحقيقي. نافع قال في 2 مارس إن هناك مؤشرات كلية تتحسن في 2026، لكن الأعطاب الهيكلية لا تزال تمسك بخناق الاستدامة. هذه العبارة تختصر ما يواجهه المصريون فعلًا. فحتى لو تراجع ضغط بعض السلع بعد انتهاء الموسم، فإن الإحساس الشعبي لن يتحسن سريعًا إذا بقيت القوة الشرائية أضعف من أن تترجم أي تحسن نظري إلى فرق ملموس داخل البيت. المشكلة لم تعد في سعر سلعة واحدة. المشكلة في شبكة كاملة من الكلفة المرتفعة والدخل المنهك.
ولهذا فإن السوق بعد رمضان مرشحة لسيناريو مزدوج. قد تهدأ نسبيًا في بعض البنود التي كانت مرتبطة مباشرة بالاستهلاك الموسمي. لكن هذا الهدوء سيبقى محدودًا إذا استمرت بقية العوامل الضاغطة في مكانها. الأسر التي استنزفت دخولها في رمضان والعيد ستدخل الأسابيع التالية بقدرة أضعف على الشراء، وهذا قد يخفف الطلب نسبيًا. غير أن تراجع الطلب لا يعني بالضرورة رحمة من السوق. أحيانًا يتحول فقط إلى انكماش في الشراء مع بقاء الأسعار مرتفعة، أي أن المستهلك يشتري أقل لا أن السلعة صارت أرخص.
وتدعم هذه الصورة حقيقة أن الحكومة نفسها اضطرت قبل رمضان إلى تمرير حزمة اجتماعية واسعة لتحسين القدرة الشرائية للفئات الأضعف في مارس وأبريل. وزارة المالية أعلنت مساندة نقدية إضافية لـ 10 مليون أسرة مقيدة على البطاقات التموينية بقيمة 400 جنيه خلال شهري مارس وأبريل، إلى جانب 400 جنيه إضافية لـ 5.2 مليون أسرة من المستفيدين من تكافل وكرامة، بتكلفة إجمالية بلغت 8 مليارات جنيه و4 مليارات جنيه على الترتيب. مجرد وجود هذه الحزمة بهذا الحجم قبل الموسم هو اعتراف عملي بأن السوق كانت تدخل رمضان وهي أكثر قسوة من أن تُترك بلا تدخل استثنائي.
السوق أرهقت الأسر والدعم لا يكفي لإطفاء النار
من هذه النقطة يأتي رأي الدكتور عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية والاقتصادية، بوصفه أكثر من تعليق عابر. الرجل قال إن الحزمة الاجتماعية ضرورة ملحة لمساندة الفئات الأولى بالرعاية وتعزيز قدرتها الشرائية قبل رمضان. لكن أهمية هذا الكلام لا تقف عند توقيته. بل في دلالته المباشرة على ما بعد رمضان أيضًا. فإذا كانت السوق احتاجت دعمًا نقديًا استثنائيًا حتى تمر فترة رمضان والعيد بأقل قدر من الاختناق، فهذا يعني أن انتهاء الموسم لا يمحو السبب الذي استدعى هذا الدعم من الأساس.
لذلك تبدو الإجابة الأدق على سؤال ما بعد رمضان كالتالي. لن تهدأ الأسعار بالمعنى الذي تنتظره الأسر بسهولة. قد تتراجع وتيرة الارتفاع في بعض السلع. وقد تختفي بعض القفزات المرتبطة بالطلب الموسمي. لكن السوق لا تعطي حتى الآن إشارات كافية على بداية موجة هبوط حقيقية وشاملة. الأرجح هو هدوء هش ومحدود في بعض الجيوب، مع بقاء احتمال موجات جديدة قائمًا إذا انتقلت أي كلفة إضافية إلى الأسعار أو إذا ثبتت الزيادات الأخيرة بوصفها نقطة انطلاق جديدة. هذا ليس تشاؤمًا مجانيًا. بل قراءة تفرضها الأرقام، وتؤكدها تصريحات الخبراء، ويعيشها المستهلك يوميًا عند أول فاتورة شراء.
في النهاية، ما بعد رمضان في مصر لا يبدو موسم راحة للأسعار، بل مرحلة اختبار جديدة. السوق خرجت من شهر استهلاك كثيف وهي أكثر توترًا لا أقل. والأسر خرجت منه بجيوب أكثر إنهاكًا لا أكثر قدرة. وبين تراجع موسمي محدود هنا، وضغط هيكلي مستمر هناك، يبقى الخوف قائمًا من أن يتحول الهدوء القصير إلى مجرد هدنة، قبل أن تبدأ جولة جديدة من الغلاء تدفع ثمنها البيوت نفسها التي دفعت فاتورة رمضان والعيد كاملتين.

