فجّر الإعلان الحكومي المرتبط بالضرائب موجة غضب واسعة على منصات التواصل، لا بسبب شكله فقط، بل لأنه لمس عصبًا مكشوفًا في علاقة الدولة بالمواطن: الضرائب تُحصَّل بقسوة، والخدمات لا تتحسن، ثم تُنفق أموال عامة على حملات دعائية تطلب من الناس مزيدًا من الطاعة والامتثال.

 

الاعتراض لم يكن فنيًا على إعلان سيئ الصنع فحسب، بل سياسيًا وأخلاقيًا على فكرة كاملة: سلطة توسع الجباية، وتفاخر بزيادة الإيرادات الضريبية في الموازنة، ثم تنفق على الدعاية والترفيه السياسي بينما تزداد الضغوط المعيشية والهجرة وفقدان الثقة.

 

مشروع موازنة 2025-2026 يستهدف أصلًا نموًا في الإيرادات الضريبية بنحو 27.7%، مع وصول إجمالي الإيرادات إلى نحو 3.1 تريليون جنيه، ما يجعل سؤال النشطاء عن أوجه الإنفاق سؤالًا مشروعًا لا مزايدة عاطفية.

 

 

غضب من إعلان يدعو للدفع بينما الثقة غائبة

 

د. مراد علي هاجم الإعلان من زاوية اختلاط المصالح وإهدار المال العام، معتبرًا أن الدولة تفرض الضرائب على مواطنين “مطحونين” ثم تنفقها على إعلانات مبتذلة، وأن القضية ليست إعلانًا منفردًا بل صورة أوسع من تراجع المعايير وفقدان الانتماء ودفع الكفاءات إلى الهجرة.

 

كما أثار شبهة تعارض المصالح بالإشارة إلى طارق نور، في ظل حقيقة موثقة أن “المتحدة” كانت قد أعلنت شراكة يقودها طارق نور لتطوير المشهد الإعلامي.

 

هذا لا يثبت وحده تفاصيل تمويل الإعلان، لكنه يفسر لماذا بدا السؤال عن الجهة المستفيدة مشروعًا في نظر كثيرين.

 

 

رانيا الخطيب صاغت الاعتراض بصيغة أشد مباشرة: من أين دُفعت تكلفة الإعلان؟ وهل تُحصَّل الضرائب من الناس ثم تُستخدم لإقناعهم بالغناء والدفع بدل تحسين الخدمات؟

 

اعتراضها لا يتوقف عند الشكل، بل يضرب مصداقية المنظومة كلها: إذا كانت الدولة توسع الاعتماد على الضرائب، بينما يعجز المواطن عن رؤية عائد ملموس في حياته اليومية، فإن الإعلان يتحول من أداة تواصل إلى استفزاز سياسي.

 

 

محمد عبدالرحمن اختصر الفكرة في جملة شديدة الوضوح: الإعلان الذي يطلب من المواطن أن يتقبل ضرائب جديدة أو متزايدة، جرى تمويله من أموال هذا المواطن نفسه.

 

هذه الصياغة تلخص أزمة ثقة حقيقية بين الدولة والممول الضريبي.

 

فالمشكلة لم تعد في تحصيل الضريبة وحدها، بل في شعور متزايد بأن السلطة لا ترى في الناس إلا مصدرًا مفتوحًا للتمويل، حتى عندما تخاطبهم دعائيًا.

 

 

الدعاية تتضخم بينما البلد يتآكل

 

د. يحيى موسى نقل الهجوم إلى مستوى أوسع، حين اعتبر أن النظام لا يبدد المال فقط على إعلان أو حملة، بل على دراما رخيصة وحملات دعائية ولجان إلكترونية تهدف إلى تجميل صورته وتشويه خصومه، بينما يعجز عن توفير حد أدنى من العيش الكريم.

 

جوهر اعتراضه أن السلطة لا تكتفي بإهدار المال، بل تهدره في صناعة سردية زائفة عن بطولات وانتصارات لا وجود لها على الأرض، في وقت تتراكم فيه المخاطر والتحديات داخليًا وإقليميًا.

 

 

هذا الطرح لا يبدو معزولًا عن الواقع المالي للدولة. فوزارة المالية نفسها تعلن على موقعها الرسمي أن هدفها “تطوير الإيرادات الضريبية وتحسين نظمها”، بينما تتضخم الحصيلة عامًا بعد عام.

 

المشكلة ليست في وجود نظام ضريبي من حيث المبدأ، بل في سؤال بسيط يطرحه الغاضبون: إذا كانت الدولة تنجح في التحصيل بهذا القدر، فلماذا يتراجع مستوى الخدمات، ولماذا تبدو الأولويات الإعلامية والدعائية أكثر حضورًا من أولويات الصحة والتعليم والنقل؟

 

وائل عباس عبّر عن زاوية أخرى من الأزمة: انعدام الثقة في المعلومة الرسمية نفسها. حين يستيقظ الناس على شائعة، ثم يرون نفيًا، ثم يكتشفون أن القرار حدث أو أن مضمونه صحيح، تتآكل قدرة الدولة على الإقناع.

 

الفكرة نفسها تنطبق هنا على الإعلان الضريبي: ليست المشكلة أنه ضعيف فقط، بل أنه يصدر في بيئة لم تعد تصدق السلطة أصلًا، فتصبح كل رسالة رسمية عبئًا إضافيًا بدل أن تكون شرحًا أو تبريرًا.

 

 

داليا جميل رأت أن المشكلة تمتد إلى التوقيت والمنهج معًا. فالدولة، في رأيها، تتعامل مع المواطن كآلة صرف يمكن الضغط عليها كلما احتاجت مالًا، من دون مراعاة للضغط النفسي والاجتماعي أو حدود الاحتمال.

 

هذا الاعتراض يتجاوز الإعلان نفسه إلى فلسفة الحكم الاقتصادي: لا حوار، لا تمهيد، لا خدمات تعادل ما يُدفع، فقط سياسة أمر واقع تخلق فجوة أكبر من عدم الثقة بين المواطن وبلده.

 

 

الضرائب والدعاية في نظر الغاضبين.. وجهان لفشل واحد

 

سليم قدّم مقارنة رمزية لكنها مؤلمة: قيمة 1000 جنيه في مارس 2013 كانت تساوي ما يقارب 3 جرام ذهب عيار 24، بينما أصبحت اليوم أقرب إلى 0.12 جرام فقط، ليستنتج أن الجنيه فقد نحو 95% من قيمته.

 

هذه المقارنة لا تثبت كل أسباب التراجع، لكنها تفسر الإطار النفسي الذي تُستقبل فيه أي حملة حكومية عن الضرائب. المواطن الذي يرى مدخراته تتآكل لا يمكنه أن يتفاعل بإيجابية مع إعلان يدعوه إلى مزيد من الامتثال المالي.

 

 

أميرة ربطت هذا الانهيار بسلسلة سياسات ممتدة: التعويم، المدن الجديدة، المونوريل، والصفقات الكبرى.

 

اعتراضها هنا ليس على إعلان بعينه، بل على نموذج كامل يرى أن الدولة أنفقت على مشروعات ضخمة بينما تراجعت قيمة العملة ولم يتحسن مستوى المعيشة بما يكفي.

 

ومن هذه الزاوية، يصبح الإعلان الضريبي أشبه برسالة مستفزة تأتي بعد سنوات من تحميل الناس فاتورة خيارات لم يختاروها.

 

 

محمد إبراهيم لخص أزمة الثقة الاقتصادية في سؤال واحد: حين ترتفع الأسعار لا تنخفض لاحقًا حتى لو زال السبب.

 

هذه القاعدة الاجتماعية الراسخة هي نفسها ما يجعل الناس تنظر بعين الريبة إلى أي خطاب حكومي عن الضرائب أو الإصلاح أو تحمل الأعباء.

 

فما دامت التجربة اليومية تقول إن الدفع مستمر والعائد غائب، فإن الإعلان يتحول إلى مادة غضب تلقائي، لا إلى أداة إقناع.

 

 

أما المرأة فدفعت الخطاب إلى أقصى مداه بالدعوة إلى إضراب عام، متسائلة عن الفارق بين الأسعار التي تُحاسِب بها الدولة المواطنين وبين تكلفة ما اشترته فعليًا.

 

 

وكتب البرنس أن السلطة لا تبحث فقط عن المال، بل تبقي المجتمع في دوامة من الاحتياج والانشغال الدائم.

 

 

بينما رأى ميشيل أن الدولة تستغل كل أزمة عالمية لتضيف أعباء جديدة على الناس.

 

 

هذه الأصوات، مهما اختلفت في لهجتها، تتفق على نقطة واحدة: الإعلان لم يُقرأ كرسالة ضريبية، بل كعلامة جديدة على سلطة تجبي كثيرًا وتشرح قليلًا وتخسر الثقة أكثر كل يوم.

 

الخلاصة أن الهجوم على إعلان الضرائب لم يكن خلافًا على الذوق أو الإخراج أو الأغنية. كان انفجارًا سياسيًا واجتماعيًا ضد فكرة أوسع: دولة توسع الجباية، وتفاخر بزيادة الإيرادات، ثم تعجز عن إقناع الناس بأن أموالهم تُنفق في مكانها الصحيح.

 

ولهذا بدا الإعلان، في نظر كثيرين، ليس مجرد مادة دعائية ضعيفة، بل رمزًا مكثفًا لفجوة الثقة بين سلطة تجبي ومجتمع يزداد اقتناعًا بأنه يدفع أكثر مما يحصل عليه.