كشفَ ارتفاع الدولار أمام الجنيه المصري في ختام تعاملات اليوم أن الحكومة لا تملك حتى الآن أكثر من سياسة رد الفعل، رغم كل ما قيل خلال الشهور الماضية عن تحسن المؤشرات وتدفقات النقد الأجنبي. البيانات الرسمية للبنك المركزي أظهرت أن متوسط سعر الدولار بلغ 52.7254 جنيه للشراء و52.8254 جنيه للبيع في ذلك اليوم، بعد أن كان 52.11 و52.21 تقريبًا في اليوم السابق وفق الأرقام المتداولة، أي زيادة تقترب من 0.62 جنيه ونحو 1.19% في يوم واحد. هذه قفزة لا يجوز التعامل معها كحركة عادية في سوق مرن، لأنها تعكس ضغطًا متجددًا على الجنيه في توقيت بالغ الحساسية سياسيًا واقتصاديًا.
المشكلة ليست فقط في الرقم الجديد، بل في الرسالة التي يحملها. فبعد موافقة صندوق النقد الدولي في 25/2/2026 على صرف نحو 2.3 مليار دولار لمصر ضمن المراجعتين الخامسة والسادسة للبرنامج، كان يفترض أن يظهر بعض الأثر المهدئ على سوق الصرف، أو على الأقل أن تتراجع حدة القلق. لكن ما حدث هو العكس. الجنيه عاد إلى الضغط سريعًا، في وقت تزداد فيه التوترات الإقليمية، وتعلو كلفة الشحن والطاقة، وتتحرك الأموال الساخنة بحساسية مفرطة تجاه أي مخاطر جيوسياسية. هذا يعني ببساطة أن الحكومة لم تعالج جذور الهشاشة، بل اشترت وقتًا إضافيًا فقط.
صعود الدولار ليس حادثًا يوميًا بل إنذار جديد
السلطة تحب دائمًا تفسير تحركات الدولار باعتبارها انعكاسًا طبيعيًا لتقلبات السوق العالمية. هذا التفسير ناقص. نعم، الحرب في المنطقة زادت الضغط على الأسواق الناشئة وعلى العملات المحلية، لكن الاقتصادات الأكثر صلابة لا تتلقى الصدمة نفسها بهذه السرعة وبهذا القدر من التوتر. مصر ما زالت تدفع ثمن نموذج اقتصادي يعتمد بقوة على تدفقات ساخنة، وعلى الاقتراض، وعلى حساسية مفرطة تجاه أي هزة خارجية. ولذلك، ما إن تصاعدت الحرب الإقليمية حتى ضعف الجنيه سريعًا وعاد الدولار إلى الصعود.
الخبير الاقتصادي إسلام جمال الدين وضع 3 سيناريوهات لتحرك الدولار خلال الفترة المقبلة. السيناريو الأول، إذا استمرت الحرب من أسبوع إلى أسبوعين، يرجح استمرار الصعود التدريجي. السيناريو الثاني، إذا امتدت لأكثر من شهر، يفتح الباب لتجاوز 53 جنيهًا. أما السيناريو الثالث، إذا طال أمد الحرب لأكثر من شهرين، فيدفع الدولار إلى ما فوق 55 جنيهًا. أهمية هذا الطرح أنه لا يتعامل مع ما جرى اليوم باعتباره قمة الأزمة، بل بداية موجة قد تكون أخطر إذا استمرت العوامل الضاغطة نفسها من دون تدخل اقتصادي حقيقي.
هذا هو جوهر المأزق. الحكومة لا تواجه فقط سعرًا ارتفع، بل تواجه احتمالات ارتفاع أكبر. وكل تأخير في الاعتراف بحجم المشكلة يعني أن السوق سيتكفل بتسعير الخطر بنفسه، لا وفق ما تريده السلطة ولا وفق ما تقوله البيانات الرسمية. ومع كل حركة صعود جديدة، تزداد تكلفة الاستيراد، وتعلو توقعات التضخم، ويتآكل ما تبقى من ثقة الناس في قدرة الدولة على ضبط أبسط مؤشرات الاقتصاد.
الجنيه يدفع ثمن حرب الخارج وفشل الداخل
من السهل تحميل الحرب الإقليمية كل المسؤولية. لكن هذا هروب سياسي أكثر منه تفسيرًا اقتصاديًا. الخبير المصرفي محمد عبد العال قال إن 2026 هو “عام الاختبار الحقيقي” للجنيه المصري، وإن العملة المحلية تواجه تحديات داخلية وخارجية معًا رغم التحسن النسبي الذي تحقق بعد قرارات 2024. هذا التوصيف مهم لأنه يعني أن أي صدمة خارجية لا تضرب اقتصادًا متماسكًا بالكامل، بل تضرب اقتصادًا ما زالت فيه فجوات مقاومة واضحة.
الأخطر أن الفجوة الدولارية لم تختفِ أصلًا. الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح حذر من قبل من الرهان على عوامل مؤقتة لدعم الجنيه، وقال إن الفجوة الدولارية ما زالت قائمة، وإن التفاؤل المبالغ فيه بشأن تراجع الدولار لا يستند إلى معطيات كافية. وهذا ما يظهر الآن بوضوح. فبمجرد ارتفاع المخاطر في المنطقة، عاد الطلب على الدولار سريعًا، وظهر أن ما بدا استقرارًا خلال فترة سابقة لم يكن استقرارًا صلبًا بقدر ما كان هدنة مؤقتة.
الحكومة تتحمل هنا مسؤولية واضحة. لأنها لم تستخدم فترات الهدوء النسبي لبناء مناعة حقيقية في سوق الصرف، ولم تقدم حتى الآن رؤية مقنعة للرأي العام عن كيفية حماية الجنيه إذا استمرت الحرب وارتفعت فاتورة الطاقة والشحن وخرجت استثمارات أجنبية جديدة من أدوات الدين. ما نراه الآن هو دولة تكرر الحديث عن “المرونة” و”المتابعة”، بينما السوق يسبقها ويعيد التسعير يومًا بعد يوم.
ما بعد 52 جنيهًا.. من يدفع الثمن فعلًا؟
السلطة قد تتحدث عن تحرك محدود، أو عن أن سعر الصرف مرن بطبيعته. لكن المواطن يعرف أن كل قفزة في الدولار لا تتوقف عند شاشات البنوك. أثرها ينتقل إلى السلع المستوردة، ومدخلات الإنتاج، وأسعار الغذاء، وتكلفة النقل، وقرارات التجار الذين يرفعون الأسعار تحسبًا لمزيد من الصعود. ومع استمرار الحرب في المنطقة، حذر خبراء دوليون من أن أي اضطراب ممتد في الطاقة والملاحة قد يرفع كلفة الإنتاج والنقل عالميًا ويزيد التقلبات المالية. وهذا يعني أن الضغط على الجنيه قد لا يكون موجة قصيرة، بل جزءًا من مسار أشد قسوة.
حتى صندوق النقد، وهو الجهة التي تحتفي الحكومة بموافقاتها باعتبارها شهادات نجاح، قال إن تحسن الوضع الكلي في مصر تحقق وسط جهود تثبيت، لكنه أشار أيضًا إلى أن الإصلاحات الهيكلية كانت “غير متكافئة” وأن بعض الملفات الجوهرية ما زالت متأخرة. هذا اعتراف غير مباشر بأن الاقتصاد لم يخرج من منطقة الهشاشة بعد، وأن أي تمويل جديد لا يساوي بالضرورة استقرارًا دائمًا.
الخلاصة أن صعود الدولار إلى هذا المستوى ليس مجرد رقم جديد على لوحة الأسعار، بل دليل على أن الجنيه ما زال مكشوفًا، وأن الحكومة ما زالت تدير الأزمة بمنطق المسكنات لا العلاج. وإذا كانت 52.7 جنيهًا اليوم قد أصبحت واقعًا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا ارتفع الدولار؟ بل: لماذا تُرك الجنيه أصلًا في وضع يجعله يهتز بهذه السرعة عند أول اختبار إقليمي كبير؟

