هبط الجنيه المصري مجددًا أمام الدولار خلال الأيام الأخيرة، فعاد ملف سعر الصرف إلى صدارة المشهد الاقتصادي. وبحسب بيانات منشورة في 6 مارس 2026، صعد سعر الدولار إلى نحو 50.14 جنيه، بينما أظهرت بيانات حركة الأسبوع تراجعًا يقارب 4% في قيمة الجنيه مقارنة بمستواه قبل 7 أيام. التطور لم يأتِ منفصلًا عن اضطراب إقليمي أوسع، ولا عن اقتصاد ما زال يعتمد على تدفقات سريعة الحركة أكثر من اعتماده على نمو إنتاجي قادر على امتصاص الصدمات.

 

التراجع الأخير أعاد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا: لماذا يبقى الجنيه هشًا رغم القروض والاتفاقات والتدفقات الاستثنائية؟

الإجابة تظهر في تركيبة الأزمة نفسها.

فبعد تعويم مارس 2024 واتساع برنامج صندوق النقد إلى 8 مليارات دولار، استمرت الدولة في التعويل على أدوات قصيرة الأجل، مع بقاء الضغوط على النقد الأجنبي، وتراجع قدرة السوق المحلية على توليد حصيلة مستقرة من التصدير والإنتاج.

والنتيجة أن أي توتر خارجي، أو خروج لرؤوس أموال سريعة، ينعكس فورًا على سعر الصرف ثم على الأسعار في الداخل.

 

ضغط الصرف بعد انكشاف الاعتماد على الأموال السريعة

 

أزمة العملة ليست مجرد حركة يومية في شاشات البنوك.

هي انعكاس مباشر لنموذج تمويل ظل لسنوات قائمًا على اجتذاب “الأموال الساخنة” إلى أدوات الدين المحلية، ثم مواجهة كلفة خروجها عند أول اضطراب.

الدكتورة عالية المهدي، أستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة، حذرت في 10 فبراير 2026 من أن الأموال الساخنة “قد تدمر الاقتصاد”، معتبرة أن الاستثمار المحلي والإنتاج الحقيقي هما الطريق الأكثر أمانًا.

هذا التوصيف يفسر لماذا يتحرك الجنيه بعنف كلما ارتبكت المنطقة أو تبدلت شهية المستثمرين الأجانب للمخاطرة.

 

وتشير تقديرات منشورة أواخر فبراير 2026 إلى أن السيناريو الضاغط على الجنيه يرتبط تحديدًا بخروج مزيد من الاستثمارات قصيرة الأجل مع استمرار التوترات الجيوسياسية.

في هذا السياق قال الدكتور عبد المنعم السيد، رئيس مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، إن تصاعد الضغوط الخارجية قد يدفع الدولار إلى نطاق بين 48.5 و49.5 جنيه.

وبينما جاء تقديره أقل من المستويات التي لامسها السوق لاحقًا، فإن فكرته الأساسية بقيت واضحة: سعر الصرف صار شديد الحساسية لتقلبات التدفقات، لا لقوة البنية الإنتاجية وحدها.

 

الغلاء ينتقل من الدولار إلى السوق مباشرة

 

الهبوط الجديد للجنيه لا يبقى في سوق الصرف. أثره ينتقل سريعًا إلى كلفة الغذاء والنقل والطاقة ومستلزمات الإنتاج. وهذا المسار تعزز أصلًا مع قرارات رفع أسعار الوقود خلال 2025، التي جاءت في إطار التزامات مرتبطة ببرنامج الصندوق وتقليص الدعم. ومع كل تحريك للأسعار، ترتفع كلفة النقل والتشغيل، ثم تعيد الأسواق تحميلها على المستهلك النهائي، في وقت لا تلحق فيه الدخول بوتيرة الزيادة نفسها. لذلك تبدو القوة الشرائية للمواطن الحلقة الأضعف في دورة الأزمة كلها.

 

الغلاء هنا ليس حادثًا طارئًا، بل نتيجة مباشرة لاجتماع عدة عوامل: تراجع العملة، وارتفاع الرسوم، وضغط الاستيراد، ونقص بعض المدخلات الزراعية والصناعية، وضعف المعروض المحلي.

عالية المهدي عادت في اليوم نفسه، 10 فبراير 2026، لتؤكد أن مواجهة الفقر والتضخم لا تنفصل عن خلق فرص عمل حقيقية وإعادة ضبط هيكل الإنفاق العام، كما دافعت عن استمرار الدعم العيني لتخفيف الأثر التضخمي على الأسر الأكثر هشاشة. هذه الرؤية تربط بين السياسة المالية اليومية وبين ما يراه المواطن على رفوف المتاجر.

 

ديون تلتهم الإيرادات وإصلاحات تزيد الضغط

 

الضغط على المعيشة يتصل أيضًا بطريقة إدارة المالية العامة منذ 2014.

فبينما توسعت الدولة في الإنفاق على مشروعات كبرى وبنية أساسية، استمر الدين في فرض كلفته الثقيلة على الموازنة.

تحليل المبادرة المصرية للحقوق الشخصية لمشروع موازنة 2025/2026 قال إن فوائد الدين المحلي والخارجي تعادل نحو 87% من الإيرادات الضريبية المتوقعة، وإن 58% من القروض الجديدة يذهب أصلًا إلى خدمة ديون قائمة.

هذه أرقام تكشف أن مساحة الإنفاق الاجتماعي والإنتاجي تضيق كلما اتسعت فاتورة السداد.

 

وفي قراءة أكثر حدة، قال الدكتور حسن الصادي في ديسمبر 2025 إن جميع إيرادات الدولة لا تكفي لسداد فوائد الدين الداخلي والخارجي.

كما أظهرت بيانات وزارة المالية، بحسب تقارير منشورة في نوفمبر 2025، أن فوائد الدين تجاوزت إجمالي الإيرادات خلال أول 4 أشهر من العام المالي بنسبة 104%.

أما الدكتور محمد الشوادفي فلفت في يناير 2026 إلى أن معيار الحكم الحقيقي ليس حجم الدين المجرد، بل علاقته بالناتج المحلي وقدرة الاقتصاد على توليد موارد تغطيه.

وبين المعيارين، يبقى السؤال السياسي والاقتصادي واحدًا: أين يذهب العائد التنموي الذي يبرر كل هذا الاقتراض؟

 

منذ يونيو 2018، ومع استمرار حكومة مصطفى مدبولي، مضت الدولة في تنفيذ مسار إصلاحي مرتبط بشروط صندوق النقد، شمل تحريرًا أوسع لسعر الصرف، وخفضًا تدريجيًا للدعم، وزيادة في الجباية، مقابل وعود بالاستقرار وجذب الاستثمار.

لكن الحصيلة على الأرض ما زالت متناقضة: تحسن نسبي في بعض المؤشرات الكلية، مقابل هشاشة مستمرة في السوق، وضغط متزايد على الأسعار، واعتماد متكرر على الاقتراض والتدفقات السريعة.

لذلك لا تبدو أزمة الجنيه الأخيرة مجرد تقلب عابر، بل إنذارًا جديدًا بأن الاقتصاد لا يزال يدفع ثمن نموذج لم يحسم بعد أولوية الإنتاج على التمويل، ولا أولوية المواطن على الأرقام.