عادت مخاوف زيادة أسعار الوقود لتضغط على المصريين مع صعود أسعار النفط عالميًا بسبب الحرب في المنطقة، في وقت تراقب فيه الحكومة المشهد وتترك الباب مفتوحًا أمام تحميل المواطنين كلفة أزمة لم يصنعوها. ومع تجاوز خام برنت في الأيام الأخيرة نطاق 85 دولارًا ووصوله في بعض التداولات إلى أكثر من 90 دولارًا، عاد السؤال الذي يتكرر مع كل صدمة خارجية: هل تتحرك الحكومة سريعًا لرفع الأسعار محليًا، بينما تتأخر دائمًا عن تخفيف الأعباء حين تنخفض الكلفة العالمية؟
جاءت تصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي لتؤكد أن الحكومة تتابع تطورات الحرب وتأثيرها على الطاقة، مع قوله إن قرار زيادة أسعار الوقود لم يُتخذ بعد. لكن هذه الصيغة نفسها لا تبدد القلق، بل تعززه، لأن المصريين اعتادوا أن تبدأ الزيادات بعبارة “لا قرار حتى الآن”، ثم تنتهي بقرارات جديدة يدفع ثمنها النقل والغذاء والخدمات. كما أن موازنة 2025/2026 بُنيت على تقديرات أقل من الأسعار الحالية، ما يزيد الضغوط على الحكومة ويفتح باب المراجعة مرة أخرى.
ويرى حسام عرفات، الرئيس السابق لشعبة المواد البترولية باتحاد الغرف التجارية، أن استمرار الحرب لأسابيع مع بقاء النفط فوق مستويات الموازنة يجعل زيادة الأسعار احتمالًا قائمًا. ويقول إن أي تجاوز واضح لسعر التحوط المعتمد في الموازنة سيدفع الحكومة إلى إعادة الحسابات، خاصة مع ارتفاع كلفة الاستيراد والضغوط على فاتورة الطاقة. هذا التقدير لا يطمئن المواطن، بل يكشف أن الدولة ما زالت تدير الملف بمنطق تمرير الكلفة إلى المستهلك النهائي كلما ضاقت الحسابات.
ترقب رسمي يمهد لقرار يعرفه الشارع مسبقًا
قال مدبولي إن أسعار الوقود في مصر لا ترتبط فقط بسعر برنت، بل بعوامل أخرى منها كلفة الإنتاج المحلي ومديونيات الشركاء الأجانب. هذا الكلام قد يبدو فنيًا، لكنه عمليًا يعني أن الحكومة تحتفظ بحق الزيادة حتى لو تراجع النفط، لأن لديها دائمًا أسبابًا إضافية لتبرير الرفع، بينما لا تظهر السرعة نفسها في خفض الأسعار عندما تتحسن المؤشرات.
وتأتي هذه المرونة الحكومية بعد آخر زيادة كبيرة في 17 أكتوبر 2025، حين رفعت الحكومة أسعار الوقود بمتوسط بلغ نحو 18%، وقالت في حينها إن الأسعار ستظل ثابتة لمدة عام على الأقل. لكن التصعيد العسكري الأخير أعاد الملف إلى الطاولة قبل أن يهدأ الشارع أصلًا من آثار الزيادة السابقة، وهو ما يكشف هشاشة التعهدات الرسمية أمام أي تطور خارجي جديد.
المشكلة هنا لا تتعلق فقط بقرار محتمل، بل بطريقة إدارة الملف. فالحكومة لا تخاطب الناس من زاوية حماية الدخول والحد من التضخم، بل من زاوية كيفية امتصاص الصدمة المالية داخل الموازنة. والمواطن الذي تحمل موجات متتالية من الغلاء لا يسمع حديثًا واضحًا عن أدوات الحماية الاجتماعية بقدر ما يسمع عن “الإصلاح” و”التسعير” و”التوازنات”، بينما يظل العبء النهائي عليه وحده.
ويقول جمال القليوبي، أستاذ هندسة البترول والطاقة، إن قرار تحريك الأسعار سيظل مرتبطًا بمدة الحرب ومستوى تجاوز النفط للسعر الذي بُنيت عليه الموازنة. ويضيف أن بقاء الخام فوق هذا الحد يفتح الباب أمام زيادة جديدة، لأن الدولة ستواجه كلفة أعلى في تأمين الاحتياجات البترولية. لكن المعنى السياسي لهذا الكلام أوضح من صياغته الفنية: كلما ارتفع النفط عالميًا، أصبح المستهلك المصري أول المرشحين لدفع الفاتورة.
استعدادات الطاقة تكشف عمق الأزمة لا قوة الجاهزية
الرئاسة أعلنت في 4 مارس 2026 أن السيسي تابع مع الحكومة خطط تعزيز الجاهزية لتأمين إمدادات الغاز لقطاع الكهرباء، والحفاظ على مخزون آمن من المنتجات البترولية، في ظل الحرب الجارية وتداعياتها على الأسعار. كما تحدثت الحكومة عن تطوير حقل ظهر وتسريع أنشطة الحفر والاستكشاف، بينما أشار وزير البترول إلى برنامج واسع يشمل حفر أكثر من 100 بئر خلال 2026.
لكن هذه اللغة الرسمية نفسها تكشف حجم الأزمة. فلو كانت منظومة الطاقة مستقرة فعلًا، لما كان القلق بهذا المستوى، ولما تحولت كل أزمة إقليمية إلى تهديد مباشر لفاتورة الوقود والكهرباء. والاستعداد لتأمين الإمدادات مهم، لكن الأهم هو السؤال عن سبب بقاء السوق المحلية مكشوفة إلى هذا الحد أمام تقلبات الخارج، رغم سنوات طويلة من الوعود بالاكتفاء وتخفيف الضغط على الاستيراد.
الحكومة تتحدث أيضًا عن زيادة الإنتاج المحلي وتوسيع أنشطة البحث، لكن هذه المسارات تحتاج وقتًا طويلًا، بينما الزيادة في الأسعار تحدث فورًا. هنا تظهر المفارقة التي يعرفها الشارع جيدًا: النتائج المؤجلة للدولة، والفاتورة العاجلة على المواطن. فلا أحد يضمن أن تطوير الحقول سيترجم سريعًا إلى حماية للأسعار، لكن الجميع يعرف أن أي صعود في النفط قد ينعكس خلال أسابيع على جيوب الناس.
ويقول مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، إن مصر ما زالت تتأثر بقوة بسعر الصرف وبكلفة الاستيراد، وإن تقليص فجوة الدعم ظل هدفًا ثابتًا للحكومة خلال السنوات الماضية، مع بقاء السولار والبوتاجاز أكثر حساسية اجتماعيًا من غيرهما. ومعنى ذلك أن الحكومة قد تناور في توقيت الزيادة أو توزيعها، لكنها لم تغادر أصل السياسة نفسها: رفع تدريجي للأسعار كلما سنحت اللحظة المناسبة.
المواطن يدفع والغلاء يتمدد
الخطر الحقيقي في أي زيادة جديدة لا يقف عند محطة البنزين. فأسعار الوقود في مصر تنتقل سريعًا إلى النقل والسلع والغذاء والخدمات، ثم تعود في صورة تضخم جديد يلتهم الأجور والدخول الثابتة. دراسات اقتصادية حذرت من أن صدمات الوقود تنتج تضخمًا مدفوعًا بالكلفة وتؤثر بقوة على دخول الأسر، وهو ما يفسر لماذا تتحول كل زيادة في المحروقات إلى موجة غلاء أوسع من القرار نفسه.
لهذا تبدو المخاوف الحالية مبررة. فالمصريون لا يقرؤون فقط ما تقوله الحكومة عن “الترقب”، بل يتذكرون مسارًا كاملًا من الزيادات المتتالية، من دون أن يقابله تحسن مماثل في الأجور أو الخدمات أو القدرة الشرائية. وكل حديث رسمي عن أن القرار “لم يُتخذ بعد” لا ينفي الحقيقة الأساسية: الحكومة تراقب النفط لا لتبحث كيف تحمي المواطن، بل كيف تتصرف ماليًا إذا قررت نقل الزيادة إليه.
وفي بلد يعاني أصلًا من ارتفاع تكاليف المعيشة، فإن أي تحريك جديد لأسعار الوقود لن يكون مجرد قرار اقتصادي، بل رسالة سياسية واجتماعية قاسية. رسالة تقول للمواطن مرة أخرى إن الأزمات العالمية تُدار هنا بالطريقة الأسهل دائمًا: تحميله الثمن، ثم مطالبته بالصبر. وإذا كانت الحرب في المنطقة قد رفعت النفط، فإن ما يرفع غضب الشارع فعلًا هو أن الحكومة تبدو مستعدة كالعادة لتمرير الكلفة إلى الأسفل، لا لمراجعة سياساتها من الأعلى.

