يرى الدكتور يانج جينلي أن "عملية الغضب الملحمي" (Epic Fury) جاءت لتذكر الصين بأن مكانتها العالمية تعتمد في جوهرها على القوة الصلبة الغاشمة. فبمجرد أن ضربت الولايات المتحدة وإسرائيل البنية التحتية النووية والعسكرية لإيران — وأنباء عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في المرحلة الافتتاحية — وصلت موجات الصدمة إلى ما هو أبعد من طهران بكثير. ورغم إدانة بكين للحملة باعتبارها انتهاكاً للسيادة، وإجلائها آلاف الرعايا، إلا أنها بدأت سراً في إعادة حساب مخاطر تدفقات النفط وطرق الشحن ومكانتها الجيوسياسية في ظل هذا المتغير الجديد.
وتؤكد مجلة "ذا ناشيونال إنترست" أن هذه العملية تضع بكين أمام فرص دبلوماسية قصيرة المدى، لكنها في المقابل تكشف عن نقاط ضعف بنيوية عميقة في أمن الطاقة والاعتماد التكنولوجي. فبالنسبة لواشنطن، لا تقتصر المهمة على إدارة المسرح الإيراني، بل تمتد لفهم كيفية تأثير هذه اللحظة على التنافس الأوسع بين الولايات المتحدة والصين، والتحرك بناءً على ذلك لتعزيز التفوق الأمريكي.
الطاقة والذكاء الاصطناعي: نقاط الضعف الصينية
تمثل الطاقة "كعب أخيل" للصين، فهي أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، ويظل الشرق الأوسط محورياً لمحفظتها الطاقية، حيث تدفق 90% من صادرات إيران النفطية إلى الصين مؤخراً. ويهدد أي اضطراب في مضيق هرمز برفع تكاليف التأمين والإنتاج الصناعي، مما يحول ميزة النفط الإيراني الرخيص إلى عبء سياسي واقتصادي. وتدرك واشنطن الآن أن قوتها البحرية في الخليج هي التي تضمن نمو الصين، مما يمنح أمريكا نفوذاً استراتيجياً هائلاً في هذه المواجهة.
وعلى صعيد آخر، يمثل دمج أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة في هذه الحرب ضوءاً أحمر لبكين؛ إذ تشير التقارير إلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف ومحاكاة السيناريوهات. ويدفع هذا التطور الصين نحو تسريع إحلال التكنولوجيا المحلية وتشديد الرقابة على التقنيات الأجنبية، بينما يفرض على واشنطن الحفاظ على ريادتها في الحوسبة المتقدمة وأشباه الموصلات، واعتبار ضوابط التصدير عنصراً جوهرياً في الفعالية العسكرية.
حدود الخطاب الصيني ودروس "تغيير الأنظمة"
لطالما سعت بكين لتصوير نفسها كلاعب عالمي "مسؤول" وأكثر اتزاناً من واشنطن، لكن "الغضب الملحمي" كشفت حدود هذا الخطاب. فبينما تحلق الصواريخ، لا ترسل بكين مجموعات قتالية حاملة للطائرات، ولا تفرض مناطق حظر طيران، ولا تحمي الممرات البحرية كما تفعل الولايات المتحدة. وتدرك دول الخليج هذه الحقيقة جيداً؛ إذ لا يمكن للتجارة والتكنولوجيا الصينية أن تكون بديلاً للضمانات الأمنية الأمريكية.
ويثير مقتل زعيم رفيع المستوى بضربة خارجية مخاوف النخبة الحاكمة في بكين، التي تدرس بعمق قصص سقوط الأنظمة لضمان بقائها. ومن المرجح أن ترد السلطات الصينية على انهيار القيادة الإيرانية بتشديد الرقابة الداخلية وتكثيف مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي لمنع انتقال "عدوى" عدم الاستقرار، مما يعزز الرواية القائلة بأن الأنظمة الاستبدادية تظل هشة تحت الضغوط المستمرة.
تداعيات الصراع على القمة الأمريكية الصينية
يرى الكاتب أن هذه الصدمة ستعيد صياغة نبرة زيارة الرئيس دونالد ترامب المرتقبة للصين في أبريل؛ إذ يصل ترامب برافعة قوية تعزز التصورات حول القدرة الأمريكية الحاسمة، بينما يصل الرئيس شي جين بينغ بنقاط ضعف جديدة تتعلق بسلاسل توريد الطاقة والتبعية التكنولوجية. ولن تؤدي العملية بالضرورة إلى إلغاء الدبلوماسية، بل قد تدفع بكين لتحقيق استقرار جبهتها مع واشنطن، مما يمنح أمريكا فرصة للضغط من أجل شفافية مشتريات النفط الصينية وتشديد الرقابة التقنية.
وفي الختام، تعزز العملية الحجة القائلة بأن الولايات المتحدة قادرة على تنفيذ حملات عالية الكثافة مع حلفائها دون التضحية بموقعها في آسيا، مما يرسل رسالة ردع قوية بشأن تايوان ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ. ويجب على واشنطن ألا تبدد هذا التفوق، بل عليها ترسيخه عبر الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وتعزيز التحالفات، والتفاوض مع بكين من موقع ثقة وقوة، لضمان استمرار الرسالة بأن القوة لا تزال هي المحرك الرئيسي للنظام العالمي.
https://nationalinterest.org/feature/how-china-views-the-us-strikes-on-iran

