يرى الكاتب جيه كوكسون أن الأيام الأولى للحرب الأخيرة مع إيران هزت أركان منطقة الخليج بعمق، فخلال الساعات الثماني والأربعين الأولى من الصراع، استهدفت إيران جميع دول مجلس التعاون الخليجي. ولم تكتفِ طهران بضرب القواعد العسكرية الأمريكية، بل امتدت نيرانها لتشمل مواقع مدنية وفنادق ومطارات، وصولاً إلى البنية التحتية الكبرى للنفط والغاز.

 

ورغم نجاح الدفاعات الجوية الخليجية في التصدي لغالبية الصواريخ، إلا أن الطائرات المسيرة الإيرانية أثبتت صعوبة في الردع، مما ألحق أضراراً بالمرافق السياحية والمطارات، وهو ما سيترك آثاراً طويلة الأمد على سمعة المنطقة كمركز عالمي للأعمال.


وتشير منصة "أتلانتيك كاونسل" إلى أن هذه الهجمات أدت إلى تلاحم دول مجلس التعاون الخليجي بشكل غير مسبوق؛ حيث تنحت الخلافات العلنية بين الرياض وأبو ظبي جانباً لإظهار تضامن خليجي قوي. وأكدت السعودية والإمارات أن الهجمات الإيرانية تجاوزت الخطوط الحمراء، مع الاحتفاظ بحق الرد. ووصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا التحول بأنه "المفاجأة الأكبر" في الصراع، مشيراً إلى أن دول الخليج التي كانت تنوي عدم الانخراط بشكل كبير، باتت الآن تصر على المشاركة الفاعلة في رسم معالم المرحلة المقبلة.


انهيار استراتيجية "خفض التصعيد" الإماراتية


مثّل الهجوم الإيراني العنيف على الإمارات أحد أبرز ملامح الاستجابة الإيرانية الأولية، إذ استقبلت الأراضي الإماراتية كميات من الصواريخ والمسيرات تضاهي ما استهدفت به إسرائيل في اليوم الأول. ويعد هذا الانهيار نهاية لاتفاق "الجنتلمان" غير المكتوب الذي حافظت عليه أبو ظبي وطهران لسنوات لتجنب المواجهة المباشرة. ويبدو أن طهران تعمدت استهداف دبي لضرب عصب الاقتصاد الإماراتي القائم على الاستقرار والأمن، محاولةً الضغط على واشنطن لوقف حملتها العسكرية.


لقد استثمرت الإمارات عقوداً في بناء سمعة دبي كواحة للأمن، واعتمدت استراتيجية التهدئة مع إيران والحوثيين منذ عام 2019 لحماية هذا المكتسب. ولكن هجوم عطلة نهاية الأسبوع، الذي وصفه البعض بأنه "11 سبتمبر" إماراتي جديد نظراً لضخامته، أجبر القيادة في أبو ظبي على إعادة تقييم شاملة لاستراتيجيتها الوطنية. فبرغم إضعاف الضربات الأمريكية والإسرائيلية للقدرات الإيرانية، تظل طهران تشكل تهديداً وجودياً قريباً قادراً على زعزعة استقرار المركز المالي للمنطقة عبر مسيراتها الانتحارية.


نهاية سياسة "صديق الجميع" وتحول القواعد


طالت الهجمات الإيرانية بشكل مفاجئ سلطنة عمان، التي طالما حرصت على توازن دقيق بين تعاونها مع واشنطن وعلاقاتها الوثيقة مع طهران. ويؤكد استهداف عمان أن سياسة "صديق الجميع وعدو لا أحد" لم تعد كافية لتوفير الحماية في ظل الاستقطاب الحالي، حيث يُدفع الجميع في المنطقة لاختيار جانب محدد.

 

وفي الوقت ذاته، بدأت دول الخليج تتشكك في جدوى وجود القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها؛ إذ بررت إيران ضرباتها بوجود هذه القواعد، بينما شعرت العواصم الخليجية أن واشنطن لم توفر لها الحماية الكافية في لحظات الخطر، تماماً كما حدث عند استهداف قيادات حماس في الدوحة عام 2025 رغم وجود أكبر قاعدة أمريكية هناك.

 

الرياض نحو قيادة الحقبة الجديدة

 

تعد السعودية المستفيد الأكبر من إضعاف النفوذ الإيراني، حيث تسعى الرياض منذ زمن لتكون القوة المهيمنة في الشرق الأوسط. ورغم ضبط النفس الذي أبدته إيران تجاه المملكة في الساعات الأولى لتجنب رد فعل سعودي عسكري، إلا أن التصعيد انتقل لاحقاً ليشمل منشآت الطاقة السعودية الكبرى في الثاني من مارس.

 

ويبدو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مستعداً لاغتنام الفرصة الراهنة لترسيخ دور الرياض الريادي، رغم الحذر من تداعيات عدم استقرار النظام الإيراني الذي قد يغذي الفوضى الإقليمية.


وتواجه الرياض تحدياً يتمثل في غياب رسائل أمريكية واضحة حول أهداف الحملة النهائية، مما يجعل التخطيط للمستقبل محفوفاً بالمخاطر. فإذا انهار النظام في طهران، قد تلجأ أذرعه في المنطقة، خاصة في اليمن، إلى كسر الهدنة مع السعودية. ومع ذلك، يظل الموقف السعودي الحالي هو البوصلة التي ستحدد ملامح العصر القادم في الشرق الأوسط، فإما أن يؤدي الصراع إلى استقرار تحت قيادة إقليمية جديدة، أو يدفع المنطقة نحو دوامة مستمرة من التهديدات غير التقليدية.

 

https://www.atlanticcouncil.org/dispatches/the-gulf-that-emerges-from-the-iran-war-will-be-very-different/