نفّذ حزب الله اللبناني فجر الثلاثاء هجومًا بطائرات مسيّرة استهدف رادارات وغرف تحكم في قاعدة رامات دافيد الجوية شمال إسرائيل، في تصعيد مباشر نقل الاشتباك إلى مستوى أكثر حساسية، بينما ردّ الجيش الإسرائيلي بإنذارات إخلاء جديدة وقصف مكثف طال الضاحية الجنوبية لبيروت و53 بلدة وقرية في جنوب لبنان.
بيان الحزب قال إن “المقاومة الإسلامية” أطلقت سربًا من المسيّرات الانقضاضية أصاب مواقع الرادارات وغرف التحكم داخل القاعدة الجوية. وأكد أن العملية تأتي دفاعًا عن الأرض والشعب في ظل ما وصفه بتجاوزات إسرائيل وتصاعد اعتداءاتها. في المقابل، شدد الجيش الإسرائيلي على أن عملياته تستهدف بنى تحتية عسكرية.
التطور الميداني يضع لبنان أمام معادلة خطرة. كل ضربة تفتح الباب لرد أوسع. وكل رد يحمل احتمالات اتساع رقعة المواجهة إلى صراع يتجاوز حدود الاشتباك الحالي.
استهداف قاعدة رامات دافيد… كسر قواعد الاشتباك
رامات دافيد ليست هدفًا عابرًا. القاعدة تعد من أهم المنشآت الجوية في شمال إسرائيل، وتضم بنية تشغيلية تشمل رادارات ومنظومات قيادة وتحكم. ضرب هذه المواقع يعني محاولة التأثير على قدرة الإنذار المبكر وإدارة العمليات الجوية.
اللواء المتقاعد محمد قشقوش، الخبير العسكري، يقول إن استهداف الرادارات “رسالة تكتيكية قبل أن يكون إنجازًا ميدانيًا”. ويوضح أن تعطيل منظومات الرصد، حتى مؤقتًا، يربك حركة الطيران العسكري ويختبر كفاءة الدفاعات الجوية. ويضيف أن استخدام “سرب” من المسيّرات يعكس اعتماد تكتيك الإغراق العددي لإرباك أنظمة الاعتراض.
لم تعلن إسرائيل رسميًا حجم الأضرار. لكنها أقرت برصد إطلاق مسيّرات واعتراض بعضها. غياب التفاصيل لا يلغي دلالة الحدث. استهداف منشأة جوية استراتيجية يعني أن سقف الاشتباك ارتفع، وأن الرد سيكون محسوبًا بدقة لكنه لن يكون محدودًا.
العملية تأتي في سياق تصعيد ممتد منذ أسابيع. وتزامنها مع تكثيف الضربات المتبادلة يعزز فرضية الانتقال من مرحلة “الضغط المتبادل” إلى مرحلة “الردع بالقوة المباشرة”.
إنذارات وإخلاءات… الضاحية تحت النار
الجيش الإسرائيلي أصدر إنذارات بإخلاء مبنيين في حارة حريك والغبيري، كما وجه تحذيرات بإخلاء 53 بلدة وقرية في جنوب لبنان. ساعات قليلة فصلت بين التحذير وبدء الغارات. الضاحية الجنوبية، التي تعد من أبرز معاقل حزب الله، تعرضت لقصف مكثف.
مصادر لبنانية رسمية أفادت بأن القصف طال أحياء سكنية مكتظة، وأسفر عن سقوط شهداء وجرحى بينهم نساء وأطفال، إضافة إلى أضرار واسعة في المباني وشبكات الخدمات. إسرائيل تقول إن أهدافها عسكرية. السلطات اللبنانية تؤكد أن الضربات أصابت مناطق مدنية.
العميد سمير راغب، رئيس المؤسسة العربية للتنمية والدراسات الاستراتيجية، يرى أن “إنذارات الإخلاء لا تعني بالضرورة أن الأهداف عسكرية خالصة”. ويشير إلى أن تكثيف التحذيرات في 53 بلدة يعكس استعدادًا لمرحلة أوسع من العمليات، قد تشمل ضربات متتابعة لشل البنية اللوجستية لحزب الله.
الإخلاءات تعني نزوحًا محتملًا. النزوح يضغط على الخدمات والبنية التحتية في بلد يعاني أصلًا من أزمة اقتصادية خانقة. أي اتساع للقصف داخل مناطق مأهولة سيضاعف الكلفة الإنسانية.
خطر الانزلاق إلى صراع شامل
استهداف الضاحية ضمن نمط عمليات تقول إسرائيل إنه يطال بنى تحتية عسكرية، مقابل تأكيد لبناني بأن الغارات أصابت مناطق مدنية، يعكس فجوة عميقة في الروايتين. لكن النتيجة واحدة: تصعيد متدرج يقترب من حافة الانفجار الشامل.
الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية، يقول إن “تبادل الضربات على هذا المستوى يضع المنطقة أمام احتمال فقدان السيطرة على مسار التصعيد”. ويوضح أن كل طرف يسعى إلى تثبيت معادلة ردع جديدة، لكن تراكم الضربات قد يدفع أحدهما إلى رد غير محسوب يغير قواعد اللعبة بالكامل.
لبنان يقف في وضع هش. أزمته الاقتصادية المستمرة منذ سنوات أضعفت قدرته على امتصاص صدمات جديدة. البنية التحتية تعاني من نقص التمويل. القطاع المصرفي شبه مشلول. أي حرب مفتوحة ستعني تراجعًا إضافيًا في الخدمات الأساسية.
في المقابل، إسرائيل تواجه ضغطًا أمنيًا متزايدًا على جبهتها الشمالية. استهداف قاعدة جوية استراتيجية يعني أن المجال الجوي لم يعد بعيدًا عن دائرة النار. وهذا يفرض إعادة حسابات عسكرية وأمنية.
المشهد الآن يتشكل على وقع مسيّرات تضرب رادارات، وغارات تمزق أحياء مكتظة، وإنذارات بإخلاء عشرات البلدات. كل عنصر من هذه العناصر يحمل في داخله قابلية للتوسع. وكل توسع يرفع كلفة المواجهة سياسيًا وعسكريًا وإنسانيًا.
المعادلة واضحة. لا طرف مستعد للتراجع السريع. ولا مؤشرات على وساطة فاعلة توقف التصعيد. لبنان يجد نفسه مرة أخرى ساحة مواجهة مفتوحة، في لحظة لا يحتمل فيها صدمة جديدة.

