جيرار ديب

كاتب وأستاذ جامعي لبناني

 

دوّى انفجارٌ هائلٌ، السبت الماضي، في أبوظبي، وبالقرب من دبي، ودوّت انفجارات في الرياض، بينما قالت إيران إنها تستهدف قواعد أميركية في المنطقة. واستهدفت طائرةٌ مسيّرةٌ مساء السبت مطار الكويت، ما أسفر عن إصابات طفيفة لعاملين وأضرار مادية محدودة في مبنى للركاب. وكانت سلطات البحرين أعلنت أنها بدأت إخلاء أحد أحياء العاصمة المنامة، حيث مقرّ الأسطول الخامس الأميركي الذي استُهدف بصواريخ إيرانية... فتحت الولايات المتحدة وإسرائيل فجر السبت مواجهةً عسكرية مباشرة مع إيران عبر ضربات جوية واسعة، في تطوّر يُعدّ الأخطر منذ حرب الـ 12 يومًا في يونيو الماضي. وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن جيش بلاده بدأ "عمليات قتالية كبرى في إيران"، بعد أسابيع من تهديدات أميركية لطهران بعمل عسكري، وحشد قوات في الشرق الأوسط، وتعثّر جولة مفاوضات غير مباشرة بوساطة عُمانية.

 

لا نقاش في أن هذه الجولة القتالية بين الحلف الأميركي– الإسرائيلي وإيران لن تكون كما سابقتها، من ناحية تحديد أهداف ترامب بإسقاط النظام في طهران. لهذا لم يعد مُستغرَبًا ما قاله مصدر أمني إسرائيلي إن كمّية الذخائر والصواريخ في غارات السبت على إيران تفوق كامل حرب الصيف الماضي. أهداف واشنطن من الحرب واضحة، ولكن ما ليس واضحًا ردّ الإيرانيين الذي عبّر مسؤولوه عن خيانة أميركية في شأن التوصّل إلى تسوية. فإيران التي رفعت سقف شروط التفاوض مع الأميركيين فاجأت ترامب شخصيًا بصلابة تمسّكها بالمطالب، وهذا ما عزاه كثيرون إلى امتلاك طهران أوراقًا وجدها بعضهم رابحةً في أيّ حرب سيخوضها مع الأميركيين.

 

رغم الضربات التي طاولت منشآتها النووية في الحرب السابقة، حافظت طهران على أوراق القوة في يدها ولم تدفع بها كما تفعل في بداية الحرب. لم تمضِ ساعات على استيعابها الضربات المشتركة التي طاولت مراكزَ حيويةً ومؤسّسات رسمية، حتى بدأت إيران برمي أوراقها دفعة واحدة، في دلالةٍ على مدى حالة القلق الوجودي الذي يعيشه النظام في طهران، الذي يريد من خلالها ضبط الهجوم والعودة إلى استخدام لغة أكثر دبلوماسية... ولكن: هل وقعت طهران في فخّ أميركا؟

 

وجّه الحرس الثوري الإيراني صواريخه باتجاه العواصم العربية، على اعتبار أن في أراضيها قواعد أميركية بات الهجوم عليها مشروعًا، فيما إطلاق وابل من الصواريخ الإيرانية على الدول يُعدُّ اعتداءً فادحًا على سيادتها ويهدّد أمنها واستقرارها. هذا ما وجد بعضهم أن واشنطن استطاعت الدفع بإيران إلى نقل معركتها من تل أبيب إلى داخل المنطقة، وتُرجم هذا في الإدانة الواسعة من دول عربية ودولية تجاه هذا الاعتداء.

 

قد يكون الانزلاق نحو الحرب الكُبرى غاية إسرائيل، على اعتبار أنها تهدف إلى الدفع بالمنطقة نحو الفوضى في سبيل إعادة بنائها بما يتناسب مع مشروعها الشرق الأوسط الجديد. لهذا يعدّ استمرار طهران في توجيه الضربات إلى العمق العربي خطًا استراتيجيًا لا يحقّق سوى مصالح تل أبيب وأهدافها، في حين أن المطلوب توجيه الضربات على العمق الإسرائيلي لممارسة مزيد من الضغط بهدف إيقاف الحرب.

 

ليس قصف الدول العربية الورقة الوحيدة التي استخدمتها إيران منذ الساعات الأولى للحرب، ولكنّ الحرس الثوري أبلغ المعنيين بإقفال مضيق هرمز. وكانت "رويترز" قد نقلت عن أربعة مصادر تجارية أن بعض شركات النفط والتجارة الكبرى علّقت شحنات النفط الخام والوقود عبر المضيق في ظلّ استمرار الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران وردّ الأخيرة عليها. يجد الإيرانيون في هذه الخطوة طريقةً ضروريةً لممارسة مزيد من الضغط على دول الخليج العربي من ناحية تصدير النفط. إذ تفيد التقارير بأن نحو 20% من صادرات النفط العالمي والخليجي يسلك مضيق هرمز، في خطوة تهدف إلى ممارسة مزيد من التضييق على دول الخليج من ناحية تصدير نفطهم. ولكن ما قد يغفل عن بال الإيرانيين أن هذا سينعكس سلبًا على ميزانيتها العسكرية من خلال عرقلة تصدير نفطها إلى الصين التي تعتمد بشكل حيوي على مضيق هرمز لاستيراد نفطها، إذ يمرّ عبره أكثر من 50% من احتياجاتها النفطية من منطقة الخليج العربي. تشير التقارير إلى استيرادها ملايين البراميل يوميًا (نحو 5.4 ملايين برميل يوميًا في أوائل 2025)، ما يجعله شريانًا استراتيجيًا لأمنها الاقتصادي، سيّما النفط الإيراني.

 

إقفال إيران المضيق هو كمَن يطلق النار على قدمه، إذ تحتاج واشنطن إلى هذا الإقفال الذي استبدلت به النفط الفنزويلي في عملية نوعية في 4 يناير الماضي، أدّت إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته. لهذا تعتبر الخطوة الإيرانية ناقصة، إذ طاولت حليفتها بكين وصادرات الخليج، الأمر الذي سيسبّب شرخًا واضحًا بين النظام في إيران ومحيطها.

 

وقعت طهران في الفخ الأميركي، على ما يبدو، حيث أخذت واشنطن إيران إلى لعب أوراقها في هذه الحرب وتجريدها من نفوذها في المنطقة. لهذا قد تتّجه أميركا إلى تطبيق النموذج الفنزويلي من خلال عمليات الاغتيال التي طاولت رأس الهرم الإيراني، عبر إعادة تشكيل قيادته بما يتناسب مع السياسة الأميركية للمنطقة، وضمن التوافق التام مع المحيط العربي. فهل المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة؟ أم أن للنظام في إيران أوراقًا سيكشفها في الأيام المقبلة تعيد خلط الأوراق جميعًا؟