أشعل اليوتيوبر المصري عبدالله الشريف جدلًا واسعًا بعد تعليقه على تطور التكنولوجيا العسكرية الإيرانية، معتبرًا أن الاستهداف الإيراني أصبح “أدق بدرجة مفاجئة” وأن ما جرى في البحرين يكشف اختلالًا غير متوقع في ميزان التفوق التقني الأميركي الإسرائيلي.

 

الشريف أشار إلى صورة لرادار أمريكي من طراز AN/FPS-132 في البحرين، تُقدَّر قيمته بأكثر من 1 مليار دولار، قال إنه “تم تخريبه تمامًا بمسيّرة إيرانية في المنتصف”، مضيفًا أنه لا يزعم قدرة إيران على الصمود أمام “شلال هادر من السلاح الأميركي”، لكنه يرى أن “الكرامة لا تعرف حسابات القوة”.

 

 

التصريح جاء في سياق تصعيد عسكري مفتوح منذ 28 فبراير 2026 بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، شمل ضربات متبادلة وقواعد أميركية في الخليج.

 

رادار بمليار دولار.. اختراق نوعي أم دعاية حرب؟

 

الرادار AN/FPS-132 يُعد من أنظمة الإنذار المبكر بعيدة المدى، قادرًا على رصد الأهداف لمسافة تتجاوز 4800 كيلومتر. تخريبه – إن ثبت بشكل قاطع – يطرح سؤالًا مباشرًا حول فعالية منظومات الدفاع الأميركية أمام مسيّرات منخفضة الكلفة.

 

اللواء سمير فرج، الخبير العسكري، يقول إن “الحروب الحديثة أثبتت أن السلاح الأرخص قد يخترق السلاح الأغلى إذا وُجدت ثغرات تشغيلية أو تكتيكية. التفوق التكنولوجي لا يعني حصانة مطلقة”.

 

تطور المسيّرات الإيرانية خلال السنوات الأخيرة كان لافتًا. إيران استثمرت بكثافة في تقنيات الطائرات بدون طيار، واستخدمتها عبر حلفائها الإقليميين. إصابة هدف استراتيجي عالي القيمة تعني تطورًا في الدقة والتوجيه.

 

لكن الخبير العسكري يضيف أن “التحقق المستقل من حجم الضرر ضروري. في زمن الحروب، الصورة جزء من المعركة النفسية”.

 

كرامة أم مغامرة مكلفة؟

 

عبدالله الشريف لم يكتفِ بالتحليل التقني، بل انتقل إلى خطاب معنوي واضح، معتبرًا أن “الكرامة لا تأبه لمتعجرف فاجر يحتمي خلف غطرسة الغرب”، وداعيًا إلى “صاع بصاع” قبل حساب النتائج.

 

هذا الطرح يلقى صدى لدى شريحة واسعة ترى في المواجهة الحالية اختبارًا لهيبة الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة. لكن في المقابل، هناك مخاوف من انزلاق إقليمي واسع.

 

الدكتور أيمن سلامة، أستاذ القانون الدولي، يرى أن “استهداف قواعد أو أنظمة إنذار في دول ثالثة يوسّع دائرة النزاع ويحوّله من مواجهة ثنائية إلى صراع متعدد الأطراف”.

 

الرادار الأميركي في البحرين يمثل جزءًا من شبكة دفاع إقليمي. أي خلل فيه يثير قلقًا لدى دول الخليج التي تستضيف قواعد أميركية لحماية أجوائها. المعادلة الأمنية تصبح أكثر هشاشة.

 

ميزان قوة يتغير.. أم لحظة عابرة؟

 

الدكتور مصطفى بدرة، الخبير في الاقتصاد السياسي، يؤكد أن “أي اختراق تقني ناجح يغيّر حسابات الردع. لكن السؤال: هل يمكن البناء عليه استراتيجيًا أم أنه حادث تكتيكي؟”.

 

تكلفة الرادار التي تتجاوز 1 مليار دولار مقابل مسيّرة منخفضة الكلفة تعكس فجوة في منطق الإنفاق العسكري التقليدي. هذا ما يجعل بعض المحللين يتحدثون عن “حرب غير متماثلة” تُعيد تعريف التفوق.

 

إيران، بحسب تقديرات غربية، طورت صناعاتها الدفاعية رغم العقوبات، وراكمت خبرات في الحرب الإلكترونية والطائرات المسيّرة. استهداف بنية أميركية حساسة – إن تأكدت تفاصيله – يمنحها ورقة معنوية قوية.

 

لكن في المقابل، تمتلك الولايات المتحدة قدرات عسكرية هائلة، وشبكة تحالفات واسعة. الشريف نفسه أقر بعدم قدرة إيران على الصمود أمام “شلال هادر من السلاح الأميركي”. هنا تكمن المفارقة بين الرمز والواقع.

 

اللواء سمير فرج يحذر من أن “النجاح التكتيكي قد يستفز ردًا أكبر. عندما تُضرب منظومة إنذار استراتيجي، فإن الرد قد يكون أوسع مما يتوقعه البعض”.

 

حتى 1 مارس 2026، لا توجد بيانات أميركية تفصيلية حول حجم الضرر الفعلي للرادار. لكن الجدل الذي أثاره التصريح يعكس تحوّلًا في المزاج العام: لم يعد التفوق الغربي يُنظر إليه كمسلمة غير قابلة للاختراق.

 

المشهد الآن يتجاوز حادثة تقنية. هو صراع على صورة القوة. هل تهتز هيبة منظومات بمليارات الدولارات أمام مسيّرات ذكية؟ أم أن ما جرى سيبقى ضمن حدود الحرب النفسية؟

 

بين خطاب “الكرامة” وحسابات القوة، تقف المنطقة أمام معادلة صعبة. التطور التقني الإيراني يفرض معطيات جديدة. لكن اتساع المواجهة قد يجعل ثمن أي رسالة رمزية أكبر بكثير من لحظة الاحتفاء بها.

 

في 2026، لم تعد المعركة فقط بين جيوش. بل بين سرديات: سردية التفوق المطلق، وسردية الاختراق المفاجئ. والنتيجة النهائية لن يحسمها مقطع مصور أو تصريح، بل مسار حرب مفتوحة لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.