أوقفت إسرائيل صباح السبت 28 فبراير 2026 ضخ الغاز الطبيعي إلى مصر، بعد الهجوم المشترك على إيران، وأبلغت القاهرة رسميًا بالقرار وفق مسؤول حكومي تحدث إلى “الشرق”. التوقف المفاجئ يضع منظومة الطاقة المصرية تحت ضغط مباشر، في توقيت يرتفع فيه الاستهلاك مع اقتراب ذروة الصيف.

 

الكمية الموقوفة تبلغ 1.1 مليار قدم مكعبة يوميًا، قادمة من حقلي تمار وليفياثان بشرق المتوسط. إسرائيل فعّلت بند “القوة القاهرة” في اتفاقيات التوريد، وهو بند يسمح بتعليق الالتزامات في حالات استثنائية مثل الحروب. النتيجة فورية. فجوة في الإمداد. وضغط على الشبكة القومية ومحطات الكهرباء.

 

الخبير في سياسات الطاقة الدكتور مدحت نافع يقول إن “الاعتماد على مورد واحد في ملف حيوي كالغاز يضاعف المخاطر. عندما يتوقف 1.1 مليار قدم مكعبة يوميًا دفعة واحدة، فهذه ليست نسبة هامشية. بل جزء مؤثر من مزيج الإمداد”.

 

اعتماد متزايد وانكشاف مفاجئ

 

خلال السنة المالية المنتهية في يونيو 2025، رفعت مصر وارداتها من الغاز الإسرائيلي بنسبة 8%، لتصل إلى 344 مليار قدم مكعبة، مقابل 319 مليارًا في العام السابق. الأرقام تعكس تعمق الاعتماد على الغاز المستورد، في وقت تراجع فيه الإنتاج المحلي عن مستويات الذروة السابقة.

 

هذا التوسع في الواردات جعل الشبكة القومية ومحطات الكهرباء أكثر ارتباطًا بالإمداد القادم من شرق المتوسط. ومع التوقف الحالي، تفقد المنظومة مصدرًا رئيسيًا دون إنذار طويل.

 

الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، يرى أن “زيادة الواردات 8% خلال عام تعني أن التخطيط اعتمد على استمرارية التدفق. السؤال الآن: هل كانت هناك خطة طوارئ حقيقية لهذا السيناريو، أم أن الحكومة كانت تراهن على استقرار سياسي دائم؟”.

 

تفعيل بند “القوة القاهرة” يعني أن القاهرة لن تستطيع المطالبة بتعويضات فورية. الاتفاق يسمح بتعليق الإمداد في حالات الحرب. لكن ذلك لا يخفف العبء عن المستهلك المحلي، ولا عن الموازنة العامة.

 

بدائل مكلفة.. وجدولة عاجلة

 

الحكومة بدأت فورًا إعادة جدولة شحنات الغاز المسال المتعاقد عليها، وتسعى إلى زيادة الكميات لتغطية العجز. كما استأجرت مصر 5 سفن لإعادة تغويز الغاز المسال، تعمل في العين السخنة ودمياط بطاقة إجمالية تقارب ملياري قدم مكعبة يوميًا.

 

هذه القدرة النظرية تبدو كافية على الورق. لكنها تعتمد على توفر شحنات مسال في السوق العالمية، وأسعارها. الغاز المسال عادة أعلى كلفة من الغاز المنقول عبر الأنابيب. ومع تصاعد التوتر في الخليج، قد ترتفع الأسعار أكثر.

 

الدكتور مصطفى بدرة، الخبير الاقتصادي، يقول إن “البديل موجود فنيًا عبر سفن التغويز، لكن الكلفة هي التحدي. كل شحنة إضافية تُشترى بسعر السوق الفوري تعني ضغطًا على العملة الصعبة. إذا استمر التوقف شهرًا أو أكثر، سترتفع الفاتورة بمئات الملايين”.

 

إلى جانب الغاز المسال، قررت الحكومة زيادة استخدام المازوت في محطات الكهرباء بنسبة 333%، لترتفع الكمية اليومية إلى 26 ألف طن بدلًا من 6 آلاف طن. القرار يعكس حجم الفجوة التي يحاول صانع القرار سدها بسرعة.

 

لا تخفيف أحمال.. حتى إشعار آخر

 

وزارة الكهرباء تلجأ إلى المازوت كوقود بديل عند تراجع إمدادات الغاز. الاستهلاك اليومي المعتاد يبلغ نحو 110 ملايين متر مكعب من الغاز. أي نقص في هذا الرقم يفرض تعويضًا عبر وقود أعلى تكلفة وأقل كفاءة بيئية.

 

الحكومة أكدت أنها لن تلجأ إلى تخفيف الأحمال، مع استمرار التنسيق بين وزارتي البترول والكهرباء لتنفيذ إجراءات الطوارئ. التعهد واضح. لكن استدامته مرهونة بمدة التوقف، وأسعار الشحنات البديلة، وحجم الاستهلاك في ذروة الصيف.

 

وائل النحاس يحذر من أن “عدم اللجوء لتخفيف الأحمال قرار سياسي بامتياز. لكن إذا ارتفعت درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، ومع استمرار التوقف، قد تجد الحكومة نفسها أمام معادلة صعبة بين استقرار الشبكة وتكلفة التشغيل”.

 

الزيادة في استخدام المازوت بنسبة 333% تعني أيضًا ضغطًا بيئيًا أكبر، وتكلفة إضافية في النقل والتخزين. كما أن تشغيل المحطات بالمازوت لفترات طويلة يقلل من كفاءتها مقارنة بالغاز.

 

في المحصلة، القرار الإسرائيلي كشف هشاشة معادلة الطاقة المصرية أمام صدمات خارجية. 1.1 مليار قدم مكعبة يوميًا توقفت بقرار سياسي في دولة مجاورة. الحكومة تتحرك لتأمين بدائل. لكن البدائل مكلفة، والظرف الإقليمي مضطرب.

 

المعادلة الآن واضحة. سفن تغويز بطاقة تقارب ملياري قدم مكعبة يوميًا. زيادة مازوت إلى 26 ألف طن يوميًا. ووعود بعدم تخفيف الأحمال. الاختبار الحقيقي لن يكون في الأسبوع الأول، بل في قدرة الحكومة على إدارة الأزمة إذا طال أمدها.

 

التصعيد الإقليمي نقل ملف الطاقة من خانة التخطيط الفني إلى ساحة القرار السياسي. وأي خطأ في الحسابات سيدفع ثمنه المواطن مباشرة، إما عبر فاتورة أعلى، أو انقطاع مفاجئ. الصيف لم يبدأ بعد. والضغط يتصاعد.