تتصاعد المخاطر على إمدادات الطاقة العالمية مع احتدام التوترات في الخليج وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، الشريان الذي تمر عبره نسبة كبيرة من نفط وغاز الشرق الأوسط. تقرير لبلومبرج أشار إلى أن بدائل التصدير محدودة للغاية، وأن معظم دول المنطقة تعتمد بدرجة كبيرة على المضيق، مع حلول جزئية فقط لبعضها.

 

المعادلة بسيطة. إذا تعطل هرمز، تتقلص الصادرات فورًا. خطوط الأنابيب البديلة لا تغطي الكميات كاملة. وأي إغلاق طويل سيضغط على الأسعار وتكاليف الشحن. الأسواق لا تتحمل صدمة مفاجئة بهذا الحجم.

 

الدكتور مدحت نافع، الخبير في اقتصاديات الطاقة، يقول إن “مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي. هو صمام ضغط لسوق عالمي يتداول يوميًا عشرات الملايين من البراميل. أي اضطراب يتجاوز 1 أو 2 مليون برميل يوميًا قد يدفع الأسعار لقفزات حادة”.

 

السعودية والإمارات: بدائل جزئية لا تكفي

 

السعودية تمتلك خط أنابيب الشرق – الغرب بطول 746 ميلاً، يربط الحقول النفطية بميناء على البحر الأحمر. هذا المسار يسمح بتصدير النفط دون المرور عبر هرمز. قدرته الاستيعابية تصل إلى نحو 5 ملايين برميل يوميًا من الخام.

 

الرقم يبدو كبيرًا. لكنه يظل محدودًا مقارنة بإجمالي صادرات المملكة، خاصة إذا ارتفع الطلب العالمي فوق الطاقة المتاحة للخط. في حال إغلاق المضيق، لن يتمكن الخط وحده من استيعاب كل التدفقات المعتادة.

 

الإمارات بدورها تعتمد جزئيًا على خط حبشان – الفجيرة، الذي ينقل النفط إلى ميناء على خليج عُمان. قدرته نحو 1.5 مليون برميل يوميًا. هذا يوفر مرونة تشغيلية. لكنه لا يغطي كامل الصادرات الإماراتية، ويبقى جزء كبير معتمدًا على هرمز.

 

الخبير في أسواق النفط وائل النحاس يرى أن “البدائل السعودية والإماراتية تخفف الصدمة لكنها لا تلغيها. إذا تعطل هرمز بالكامل، سيبقى عجز يومي قد يتجاوز عدة ملايين برميل. الأسواق ستتفاعل فورًا، سواء بالإمداد أو بالمضاربة”.

 

المرونة هنا نسبية. خطوط الأنابيب توفر متنفسًا. لكنها ليست شبكة موازية كاملة. أي تصعيد عسكري طويل قد يضغط على طاقتها القصوى، ويكشف حدودها الفنية.

 

العراق.. وبقية الخليج بلا ممرات حقيقية

 

العراق يمتلك خط أنابيب يمتد إلى ساحل البحر المتوسط عبر تركيا، وأُعيد تشغيله العام الماضي. لكنه ينقل النفط من الحقول الشمالية فقط. بينما تعتمد معظم الصادرات العراقية على ميناء البصرة ومضيق هرمز.

 

هذا يعني أن أي تعطيل في المضيق سيؤثر مباشرة على الجزء الأكبر من صادرات العراق. الخط التركي ليس بديلًا شاملًا. بل قناة مكمّلة محدودة.

 

الكويت وقطر والبحرين لا تملك بدائل واقعية لتصدير نفطها وغازها بعيدًا عن هرمز. اعتمادها شبه كلي على الممر البحري. هذه الدول ستكون الأكثر حساسية لأي اضطراب في الملاحة.

 

الخبير الجيوسياسي الدكتور مصطفى بدرة يوضح أن “غياب البدائل لدى الكويت وقطر والبحرين يجعل صادراتها رهينة الاستقرار الأمني في المضيق. أي إغلاق حتى لو لأيام قليلة قد يربك عقود التوريد ويضغط على الشحن والتأمين”.

 

قطر تحديدًا لاعب رئيسي في سوق الغاز الطبيعي المسال. تعطل شحناتها قد يؤثر على أسواق آسيا وأوروبا. التأثير لن يكون إقليميًا فقط. بل عابرًا للقارات.

 

تداعيات اقتصادية عالمية

 

أي إغلاق طويل لمضيق هرمز سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط عالميًا وزيادة تكاليف النقل والشحن. شركات التأمين سترفع أقساط المخاطر. وشركات الشحن قد تعيد توجيه السفن لمسارات أطول وأكثر كلفة.

 

التأثير الأكبر سيقع على الدول المستوردة للطاقة. أوروبا وآسيا تعتمد بشكل كبير على إمدادات الشرق الأوسط. أي نقص مفاجئ سيضغط على مخزونات الطوارئ، ويرفع الأسعار في الأسواق الفورية.

 

الدكتور مدحت نافع يشير إلى أن “البدائل الحالية للمنتجين غير كافية لتعويض توقف مفاجئ واسع. حتى لو ضخت السعودية والإمارات بأقصى طاقة لخطوطهما، سيبقى هناك فجوة. السوق سيسعّر المخاطر قبل وقوعها”.

 

ارتفاع الأسعار لا يعني فقط زيادة تكلفة الوقود. بل يمتد إلى التضخم العالمي. الطاقة تدخل في كل مراحل الإنتاج والنقل. أي قفزة في البرميل تنعكس على الغذاء والصناعة والخدمات.

 

التقرير يخلص إلى أن معظم صادرات النفط والغاز من الشرق الأوسط لا تزال رهينة هرمز. البدائل جزئية. ولا توجد شبكة إقليمية قادرة على تجاوز المضيق بالكامل.

 

وائل النحاس يؤكد أن “المشكلة ليست في يوم أو أسبوع. بل في حالة عدم اليقين. الأسواق تخشى المجهول. كلما طال أمد التوتر، زادت التقلبات، حتى دون إغلاق فعلي”.

 

المشهد حتى 28 فبراير 2026 يعكس هشاشة هيكل الإمدادات العالمية. مضيق واحد يختصر معادلة معقدة من المصالح والتدفقات. أي تصعيد أمني أو عسكري سيضع ضغطًا فوريًا على الإمدادات ويغذي موجة قلق في الأسواق.

 

الرسالة واضحة. تنويع المسارات لم يعد رفاهية. بل ضرورة استراتيجية. لكن الواقع الحالي يقول إن الخليج ما زال يعتمد بدرجة كبيرة على ممر ضيق لا يحتمل مغامرات عسكرية طويلة. وأسواق الطاقة تراقب، وتستعد للأسوأ.